30 January 2009

أصداء النداهة



يسير الاثنان سوياً في الطريق، صامتَين، لا يدور بينهما أي حوار، لكن عقولهما تزدحم بالأفكار. يحاول "كريم" أن يتقرب منه واضعاً يده فوق كتفه كالمعتاد، فيزيح الآخر يده بعيداً عنه. يحزن كريم لكنه يداري حزنه؛ لا يفهم ما جريمته، ولِمَ كل هذا الغضب الذي يعتلي الآخر؟ يقتربان من إحدى إشارات المرور، حيث السيارات المسرعة التي يخاف منها كريم. يسير الآخر وحده عابراً الطريق، متجاهلاً كريم، غير مهتم به؛ لا يخاف عليه مثلما كان يفعل دائماً حين كان يمسك يده، وأحياناً يضع يده حول خصره ليعبرا الطريق سوياً. جرى كريم خلفه وعبر الطريق، لكن إحساساً باليتم ملأ قلبه.

 

سار بجوار الآخر، وأحياناً خلفه، والآخر لا يلتفت ناحيته، وكريم يخاف النظر إليه وهو في تلك الحالة. يتذكر كريم المشهد الأخير من فيلم "النداهة"؛ حيث يسير شكري سرحان ومن خلفه ماجدة، تحمل على أكتافها وزر جريمة لم ترتكبها حين اغتصبها أحد مخدوميهم، وتحملت هي وزر الجريمة وعقابها بالنفي من البلدة التي عشقتها. يقرر زوجها أن يعودا إلى بلدتهما، فتخلع ماجدة ثوبها الجديد الذي ارتدته في هذه المدينة التي تعلقت بها رغم كل سلبياتها، وترتدي الثوب الذي جاءت به، وتسير خلف زوجها منكسة الرأس. أمام محطة القطار تقف ماجدة، ويقف كريم.. لم يشعر شكري سرحان بها، ولم يشعر الآخر بكريم. تهرب ماجدة من شكري سرحان وتتوه في الزحام، بينما لا يستطيع كريم الهروب ويقف مكانه. يلتفت شكري سرحان حول نفسه باحثاً عن ماجدة فلا يجدها، ثم يلتفت الآخر للخلف فيجد كريم يقف بعيداً عنه، فيعود إليه ويسأله: "وقفت ليه؟". يجيب كريم حزيناً: "مفيش"، ويكملان سيرهما.

 

في نهاية الطريق، يخيره الآخر ما بين حبه له وبين وجود أصدقاء في حياته. تصيب الدهشة كريم، فيجيب بأنه لا مجال للمقارنة بين الاثنين، وليس هناك "اختيار"؛ فكلاهما مهم وضروري. يستشيط الآخر غضباً، فلا يقوى كريم على النظر إليه؛ فالعيون عند الغضب تكون مرعبة، ومنذ الصغر وكريم يكره العنف والغضب ويخاف العيون الغاضبة. يتحدث الآخر كثيراً، بينما يشعر كريم بالبرد الشديد، ولا يقوى على الاختيار ولا الكلام. يتهمه الآخر بالهروب، وبأنها طريقته المعتادة في حل المشكلات. لم يعد كريم قادراً على الصمود أكثر من ذلك، ركب العربة عائداً لبيته؛ يجتاح البرد كل خلية من جسده، ويملؤه الإحساس باليتم.


Popular Posts