"وداعاً سارة حجازي"
لم أعرف سارة قبل
اليوم، وليس لدي أي تواصل مع أفراد مجتمع "الميم-عين"، ولست من هواة الصدام مع أحد، أو بمعنى آخر ليس لدي القوة
للمواجهة أو الدفاع عن أحد أو الدخول في مناقشات تخص حقوق المثليين.
منذ البداية اخترت
الحفاظ على القليل الذي لدي في حياتي البسيطة.. فلست بفارس، ولست أتمتع بشخصية
تتحمل أي نوع من أنواع الصراعات.. يكفيني صراعي اليومي الذي لا ينتهي مع نفسي ومع
من حولي في دائرتي الصغيرة، ولذلك آثرت السلامة.
أعلم أن بعضكم قد
يصفني بأنني جبان.. ولكن كل منا يعرف قدر نفسه وقدر تحمله.. وقد اتخذت شكلاً
آخر من التواجد في هذا العالم وهو الحكي، ونقل حياتي وصراعاتي وتجاربي وأفكاري
لكم.. ربما يكون دوراً صغيراً وغير مجدٍ، ولكنني راضٍ بذلك.. وتركت
ساحة النضال لمن يتمتعون بقوة الشخصية والعزيمة، ومن لديه القوة النفسية
لتحمل مثل هذه الصراعات.
ولكن بالطبع هناك
من يُوضع في المواجهة رغماً عنه.. توقعه الظروف وحظه العاثر في هذا المكان الذي لا
يحسده عليه أحد، حيث يعاني من لهيب النقد والرجم من ذلك المجتمع الذي لا يرحم ولا
يتعاطف.. بالطبع تقف خلفه بعض الجمعيات والكيانات التي تعمل في مجال حقوق الإنسان
– وأحب أن أتوجه لهم بالشكر الجزيل على جهودهم المبذولة لمساندة ضحايا المثلية في
مجتمعنا.
عندما قرأت خبر
انتحار سارة حجازي اليوم، أصابني الرعب والهلع.. فبالرغم من كل المشاكل التي
يتعرض لها المثلي في مجتمعنا، فالبقاء حياً هو انتصار له مهما كان الحال..
لكن الموت والانتحار يعني الهزيمة للمثلي والانتصار لذلك المجتمع الذي لا يرحم.
وسؤال واحد يحلق
فوق رأسي بعلامة استفهام كبيرة.. لماذا لا توجد محاكم جنائية لمحاكمة المجتمعات
المجرمة والتي تفوق جرائمها جرائم الأفراد؟ فالمجتمعات قد تسرق وتقتل وتعذب مثلها
مثل الأفراد المجرمين.. بل تشتد جرائم المجتمعات بشكل أبشع من جرائم الأفراد، ولكن
للأسف ليس هناك محاكم تردعهم ولا قانون يعاقبهم.. بل يرتكبون تلك الجرائم بدم بارد
وسعادة هانئة دون ضمير يؤرق بالهم ويشتت تفكيرهم.. بل إنهم يمتدحون صنيعهم فيما
بينهم ولا يلقون بالاً لضحاياهم.
المؤلم في انتحار
سارة حجازي ليس فقط النهاية الحزينة، ولا كمية الجرائم التي ارتكبت تجاهها من
مجتمعها والتي دفعتها للهروب منه والعيش في مجتمع آخر تعاني فيه مرارة الاكتئاب
والوحدة، ولكن الأشد جرماً ما يرتكب الآن من هذا المجتمع الذي لا يخجل أفراده من
إخفاء شماتتهم تجاه الموت وتجاه الضحية، بل ما زالوا يقذفونها بأبشع اللعنات..
وكأنهم صاروا وكلاء لله على الأرض.. يعاقبون من يشاءون.. بل ويقررون مصيرها في
الدار الآخرة ويدعون معرفة مثواها، وكأن الله ليس هو الحكم ومن بيده كل شيء ومن
يقدر حال عباده، وبأنه الرحمن الرحيم.. والقائل بأن رحمته وسعت كل شيء.. أستغفر الله
العظيم.
أدعو الله أن
يرحمك يا سارة، وأن يشملك برحمته الواسعة، ويعوضك عما عانيته في هذه الحياة وهذا
المجتمع.


أتذكر أنني قرأت بالمصادفة عن حملة القبض المتعسفة على بعض الشباب بعد حفل مشروع ليلى ...ثم لاحقا انتحار فتاة كانت ضمن المقبوض عليهم، بالطبع من يأسي توقفت عن متابعة أي شئ له علاقة بحقوق المثليين لأنني أعرف الآن كم مجتمعنا متهالك ورجعي ومعجب بالإساءة لكل أقلية وحين نتحدث عن أقلية جنسية فهو يسئ بإريحية بلا ثانية للتفكير أو تأنيب الضمير ..لكن منذ أن عرفت بما حصل لهذه الناشطة و أتذكر ملامحها السعيدة في الحفل ..ثم أحاول فقط تخيل لحظة اعتقالها، القاءها في الحبس كما لو أنها ارتكبت جريمة شنيعة بأن رفعت علما زاهي الألوان ، والتجربة المروعة التي مرت بها أثناء ذلك الوقت والتي على الأرجح راحت تطاردها حتى أخر لحظة من حياتها أشعر أن مجتمع كهذا لا يستحق المسامحة و الغفران ابدا..لترقد بسلام هي و كل شخص دفع ثمنا باهظا فقط لانه في لحظة ما تجرأ على أن يكون نفسه ..الله يرحمك يا سارة رغم أنفهم جميعا
ReplyDelete