إهداء :
"لكل روحٍ وحيدة تعاني خلف الجدران: إن صوتَك مسموع، وإن ألمَك حقيقي."
المقدمة :
لم تكن كتابة هذا الكتاب نزهة أدبية
عابرة، بل كانت رحلة شاقة ومؤلمة في دهاليز النفس البشرية، ومواجهة مباشرة مع
جراحٍ طالما فضّل المجتمع إغلاق الأبواب دونها وإنكار وجودها. في كل قصة من قصص
هذه المجموعة، كنت أسير على حد موس قاطع؛ بين رغبتي ككاتب في تعرية الواقع وتقديم
شهادة صادقة عن زمني، وبين ألم الروح وهي تشاهد بؤس الإنسان وعذابه حين يُسجن داخل
صمته.
إن "ثمن البوح" ليس مجرد
عنوان اخترته لغلاف المجموعة، بل هو حقيقة عشتها وعاشها أبطال هذه الحكايات. لقد
أدركتُ، وأنا أستمع لشهادات وأوجاع من حولي، أن أصعب ما يمكن للمرء أن يفعله في
مجتمعاتنا هو أن يكون "صادقاً مع ذاته". فأن تفصح عن هويتك، أو أن تكشف
عن صدمة نفسية تعرضت لها، أو أن تصرخ معلناً عن ألمك وخوفك، يعني تلقائياً أنك
مستعد لدفع الثمن؛ وثمن البوح هنا غالي جداً، قد يكون نبذاً، أو وصماً اجتماعيّاً،
أو خسارة لأقرب الناس إليك، وفي كثير من الأحيان، قد يكون فقداناً للأمان والسكينة.
تنقلتُ في هذه السطور بين عيادات الطب
النفسي حيث تنكشف الأقنعة وتعرى الصدمات، وبين محطات الغربة وقطاراتها التي تحمل
أجساداً هاربة من جحيم الأحكام المسبقة والتنمر. حاولتُ أن ألمس بكلماتي تلك الروح
المتعبة التي تجمدت من شدة الرعب، وتلك القلوب التي تعرضت للابتزاز والتهديد
والملاحقة لمجرد أنها حاولت أن تحب أو تعيش باختلافها.
كنت أتساءل دائماً وأنا أخط هذه المآسي:
كيف يمكن لبيئة يُفترض بها أن تكون ملاذاً آمناً وقائمة على المودة، أن تتحول إلى
مقصلة تذبح أبناءها؟ وكيف يتحول "الحب" في نظر البعض إلى خطيئة تستوجب
الطرد، بينما تمر القسوة والجهل والخذلان مرور الكرام؟
إن أبطال قصصي ليسوا غرباء عنكم؛ إنهم
أشخاص تقابلونهم كل يوم في الشارع، في العمل، أو ربما يجلسون معكم على طاولة طعام
واحدة ولكنهم يرتدون أقنعة الصمت نجاةً بأنفسهم. لقد كتبتُ عنهم ولهم؛ لأقول لكل
روحٍ وحيدة تعاني خلف الجدران إن صوتَك مسموع، وإن ألمَك حقيقي.
أضع بين أيديكم هذه المجموعة، لا لكي أقدم حلولاً جاهزة، بل لكي أفتح نافذة للإنصات والتعاطف، ولنستشعر معاً قيمة الإنسانية والقبول قبل أن نصدر أحكاماً تدمر حيوات الآخرين. أتمنى أن تجدوا في هذه الصفحات مرآة تعكس الحقائق دون زيف، وشجاعةً تلهمكم ألا تخافوا يوماً من إظهار ذواتكم الحقيقية.. مهما كان الثمن.
كريم عزمي

