في رحلة التطور النفسي، يمر الإنسان بمنعطفات يتعلم فيها الكثير عن طبيعة
مشاعره وكيفية إدارتها. ولعلّ من أثمن المفاهيم التي يمكن أن يخرج بها المرء من
جلسات الدعم النفسي هي تلك التي تضع يده على الخيط الرفيع الفاصل بين
"الاحتياج الإنساني الطبيعي" و"الاندفاع غير المحسوب" الذي قد
يؤدي إلى نتائج عكسية.
بناءً على التوجيهات العميقة التي قدمتها لي
المعالجة النفسية، يمكننا تفكيك المشهد النفسي إلى أربعة محاور أساسية تضمن لنا
بناء علاقات صحية وحماية ذواتنا.
أولاً: الطّيِّبة مش حاجة وحشة.. ولكنها
تحتاج خطوط أمان:
من الأخطاء الشائعة التي نقع فيها عندما
نتعرض للخذلان، هو البدء في لوم أنفسنا وجلد ذواتنا واعتبار طيبتنا عيباً يجب
التخلص منه. الحقيقة النفسية الهامة التي يجب أن نركز عليها هي: "الطَّيِّبة مش حاجة
وحشة.. ولكن لازم أحمي نفسي بخطوط الأمان."
هذه العبارة تعيد الأمور إلى نصابها الصحيح؛ فطيبة القلب والنوايا النقية
هي ميزة إنسانية رائعة وليست خطأً، ولكن لكي تستمر هذه الطيبة ولا تتحول إلى باب
للاستنزاف، يجب أن نُحيطها بـ "خطوط أمان" حدودية واضحة وصارمة تحمينا
من الاستغلال وتحدد من يستحق هذه الطيبة ومن لا يستحقها.
ثانياً: فخ الاحتياج السريع.. "مثل
الجوع والأكل بسرعة":
عندما نمر بحالة من الحرمان العاطفي أو
الرغبة الشديدة في الدعم والونس، يتولد لدينا ما يُعرف بـ "الاحتياج".
هذا الاحتياج -إذا لم يُدرك بحذر وبصيرة- يؤدي مباشرة إلى "سرعة
واستعجال" في فتح قلوبنا للآخرين.
هذا الاستعجال في بناء العلاقات أو القفز
إلى مستويات عميقة من التواصل دون تمهيد، يؤدي حتماً إلى "ألم وندم". مثلما
يحدث عند الجوع والأكل بسرعة. فالشخص الجائع جداً قد يأكل أي شيء تقع عليه عيناه
دون مضغ أو تمييز، مما يسبب له وعكة صحية، وكذلك المشاعر المندفعة بسبب الجوع
العاطفي تؤدي إلى ندم شديد وضرر نفسي.
والنتيجة النفسية الخطيرة هنا هي: "كل
ما كنت واضح وكتاب مفتوح.. تفقد بريقك". الغموض الصحي والتدريج في العلاقات
يحفظان للمرء جاذبيته وقيمته، بينما الانكشاف التام والسريع يسلب العلاقة توازنها
واحترامها المتبادل.
ثالثاً: حالات الذات (الطفل، البالغ،
الوالد) وإدارة المشاعر:
في إطار مدرسة التحليل المعاملاتي المستوحاة
من كتب شهيرة مثل "كتاب الألعاب الخفية" و "كتاب أنا بخير، أنت بخير" ،
تنقسم شخصياتنا في التعامل مع المواقف اليومية والعاطفية إلى ثلاث حالات نفسية:
·
حالة
الطفل (Child): وتتميز بالاندفاع العاطفي غير المحسوب، حيث تظهر فيه صفات مثل:
(غضب زيادة، حسّاس، متسرع). وفي هذه الحالة تكون الرؤية لـ "الطيبة" غير
متزنة، فتصبح الممارسات (مش واضحة وخشنة) أو مندفعة بشكل مفرط. هذا الجانب هو الذي
يدفعنا للفضفضة العشوائية بحثاً عن احتواء فوري دون تفكير في العواقب.
·
حالة
البالغ (Adult): وهي الحالة العقلانية والنضج اللذان نحتاجهما لإدارة حياتنا
وعلاقاتنا وطيبتنا. الشخص في حالة البالغ: (يتواصل، يفهم مشاعره، يعبر عن مشاعره،
ويأخذ قرار بهدوء). هنا تتحول الطيبة إلى سلوك واعي ومحمي بذكاء عاطفي.
·
حالة
الوالد (Parent): وهي تمثل الأحكام، الضوابط، المعايير، والمنع التي نكتسبها من
الوالدين أو المجتمع.
رابعاً: مخاطر التسرع في الفضفضة مع الأشخاص الجدد:
تأسيساً على هذا التحليل، فإن التسرع في فتح
كتاب حياتك للأشخاص الجدد الذين دخلوا حياتك مؤخراً يحمل مخاطر نفسية واجتماعية
جسيمة، يندرج معظمها تحت حالة "الطفل المندفع" أو "الجائع الذي
يأكل بسرعة":
-
الانكشاف
أمام الشخص الخطأ: في بداية العلاقات، لا نكون قد اختبرنا بعد أمانة الطرف الآخر،
أو مدى قدرته على استيعاب أسرارنا أو احترامها. الفضفضة المبكرة قد تضع سلاحاً في
يد شخص لم يثبت بعد استحقاقه لهذه الثقة.
-
عبء
المشاعر الثقيلة: إغراق شخص جديد بتفاصيل صدماتك ومشاكلك النفسية قد يشعره بالثقل
والضغط العالي، مما يدفعه للانسحاب والابتعاد، فتخسر علاقة كان يمكن أن تكون جيدة
لو أخذت وقتها الطبيعي للنمو.
-
الندم
الفوري وارتداد الأنا: بعد أن تنتهي نوبة الفضفضة المندفعة، يستيقظ
"البالغ" أو "الوالد" بداخلك ليشعر بالندم الشديد والخزي من
كثرة ما شاركته، مما يجعلك تدخل في دوامة مؤذية من جلد الذات والندم.
-
بناء
علاقات على أساس "الاحتياج" لا "الزمالة أو الصداقة": عندما
تفضفض سريعاً، أنت تبحث لا شعورياً عن "مُعالج" أو "منقذ"
وليس عن صديق. هذا الخلل في التوازن يجعل العلاقة هشّة وقائمة على الاعتمادية
المرضية.
عندما تشعر برغبة عارمة في الفضفضة مع شخص جديد، تذكر قاعدة "الجوع
والأكل بسرعة"؛ انقل قيادة الموقف من حالة "الطفل المتسرع" إلى
حالة "البالغ" العاقل، خذ نفساً عميقاً، وافهم مشاعرك أولاً، وعبر عنها
بهدوء وفي مكانها الصحيح والآمن (كجلسة العلاج النفسي)، واجعل كتاب حياتك يفتح
فصلاً فصلاً.. لمن يثبت بالأيام والمواقف أنه يستحق القراءة.

