بين نسيان كتاب «أحلام مستغانمي» على
المكتب، ولقاءٍ خائب لم يحمل سوى الصمت والخذلان، يكتشف بطل القصة سرًا من أسرار
الحياة متصاعدًا مع أبخرة المطبخ.. رحلة إنسانية شفافة تدور
في تفاصيل يوم عادي جدًا.. لكنه غير نظرة بطل القصة للحياة.
القصة:
استيقظ من نومه متأخرًا عن موعده
المعتاد، واستقر لدقائق على طرف السرير يرتب أفكاره الشاردة. تسللت أشعة الشمس
الدافئة عبر ستائر الغرفة، لتذكره بأن اليوم ليس يومًا عاديًا. قفز بلهفة، وتوجه
إلى المطبخ بخطى سريعة لتناول إفطاره الذي أعده بيده؛ كأي صباح يخلو من المفاجآت،
لكنه هذه المرة كان يأكل وعيناه لا تفارقان عقارب الساعة المحفورة على الحائط.
طمأن نفسه بأن الوقت ما زال يتسع لكل
شيء؛ فقد استعد لهذا اللقاء المنتظر منذ ليلة أمس. كل تفصيلة كانت مدروسة بعناية
فائقة. اتجه إلى لوح الكي، وشغّل المكواة لتنفث بخارها الحار، وبدأ بكيّ ملابسه
الجديدة التي اقتناها خصيصًا لهذه المناسبة، وقرر أن يرتديها للمرة الأولى في هذا
اللقاء الأول بينهما. وبينما كان يطوي ياقة قميصه بدقة، اهتز هاتفه على الطاولة.
جاءه اتصال هاتفي منه، بصوت مرتفع يعلوه صخب الشارع، يخبره فيه أنه قد أوشكت السيارة
على التحرك وأنه في الطريق إليه.
ارتدى ملابسه الجديدة ونظر في المرآة
مليًا. رش قطرات من عطره المفضل على معصميه، وفي تلك اللحظة بالذات، وبينما يلقي
نظرة أخيرة على هيئته، وضع احتمالاً ثقيلاً على قلبه: "ماذا لو فشل هذا
اللقاء؟ ماذا لو لم أعجبه؟". كعادته
في هروبه من التوتر، قرر أن يصطحب معه جليساً يطمئنه؛ التفت إلى «أحلام مستغانمي»
وروايتها «الأسود يليق بك»، تلك الرواية المتوسدة مكتبه والتي يعيش بين صفحاتها
منذ أيام.
بدأ يجمع متطلباته في حقيبته الجلدية
الجديدة التي اشتراها مؤخرًا، لكنه فوجئ بأن حجمها كان أصغر بكثير من استيعاب
أشيائه المبعثرة. ضاقت الحقيبة وأخذ يحاول ترتيب الأوراق والمقتنيات داخلها بقلة
صبر، ومعه زاد ضيقه وتوتره. وفي زحمة الارتباك والعجلة، نسي «أحلام» قابعة على ظهر
المكتب. ولم يتذكرها إلا وهو يجلس بجوار النافذة في الحافلة المتجهة صوب المكان
المتفق عليه، يراقب الشوارع والمباني التي تمشي إلى الخلف.
شعور حاد بالضيق تملكه من جديد. تساءل
في سره بقلق: ماذا سيفعل عندما يصل مبكرًا ويجلس في المقهى وحيدًا في انتظار
صديقه؟ من سيكون جليسه في تلك الدقائق الثقيلة دون كتاب؟ حاول طرد تلك المشاعر
السلبية ومسح الأفكار السوداوية من ذهنه كي لا تفسد عليه اللقاء المرتقب.
يبدو أن «أحلام» رفضت أن يصطحبها معه
إلى هذا اللقاء تحديدًا، على الرغم من أنها لا تفارقه قط؛ فصوتها يرن في ذهنه في
البيت، في العمل، وفي كل بقعة يتردد عليها هذه الأيام. لكن المقادير جاءت بمفاجأة
أخرى؛ إذ إن صديقه المنتظر وصل ومعه كتاب آخر لكاتب مختلف تمامًا، كان يحمل بين
يديه إحدى مسرحيات «توفيق الحكيم». حاول صاحبنا أن يندمج في الحديث، لكنه لم يستطع
أن يخون «أحلام» في داخله. وأثناء طريق عودته إلى البيت، أخرج كتاب «الحكيم» وحاول
أن يقرأ كي يلهي نفسه عما حدث في المقهى،
لكنه فشل؛ فصفحات الكتاب ظلت باردة ولم تتسلل إلى قلبه.
نحن في الحقيقة لا نحتاج لكلمات الآخرين
المنسقة كي ندرك حقيقة مشاعرهم نحونا؛ إذ نستطيع بكل سهولة أن نستشف ذلك من نظرات
عيونهم المخبوءة، أو من دفء لمساتهم وتصرفاتهم العفوية. لكن صديقه طوال الجلسة لم
ينظر في عينيه بصدق، ولم يحاول حتى أن يلمس يديه أو يبدي اهتمامًا حقيقيًا بوجوده.
لقد اتفقا قبل هذا اللقاء على أن يحكي
كل منهما للآخر عن كل شيء، وألا يخفيا شيئًا في الصدور حتى لو كان نقدًا قاسيًا،
بل إن صديقه طلب منه أن يقر بذلك ويتعهد به. ولكن، كيف يحكي له الآن عما يعانيه من
حزن عميق وجرح في كبريائه؟
كانت له طبيعة غريبة؛ فعندما يحاول
إخفاء شيء مؤلم في داخله، يتحدث كثيرًا وبسرعة. لا يكون تركيزه منصَبًّا على ما
يقوله بقدر ما يكون مشغولاً بإخفاء السر الذي يكويه ولا يريد لنبرته أن تفضحه.
هكذا كان حاله طوال اللقاء؛ يتكلم بكثرة ليغطي على سؤال يتيم كان يراوده ويتردد
صداه في ذهنه طوال الوقت: "هل أنا لم أعجبه؟".
عاد إلى البيت منهك القوى، كأنما يحمل
على ظهره جبالاً من الخيبة والحزن. لم يكن قادرًا حتى على إلقاء السلام بابتسامة
على أمه، التي جاءت خلفه بخطوات حنونة إلى حجرته لتسأله عما أعده للغداء. لم يكن
قد رتب شيئًا لهذا الأمر؛ فقد كان كل تركيزه واهتمامه منذ الأمس منصَبًّا على هذا
اللقاء الخائب.
استبدل ملابسه الجديدة وتخفف منها، ثم
دخل المطبخ وصوت الأواني يكسر صمت البيت ليعد طعام الغداء. وبعد قليل من الانهماك
بين التقطيع والطهي، والتعامل مع الحرارة والنكهات، لاحظ شيئًا عجيبًا.. بدأت جبال
أحزانه تتلاشى وتذوب شيئًا فشيئًا.
في تلك اللحظة، أدرك سرًّا جديدًا وعميقًا
من أسرار الحياة: لماذا تعيش النساء أطول من الرجال؟ إنه الطبخ وإعداد الطعام! حيث
تتطاير الأحزان والمتاعب مع الأبخرة المتصاعدة من القدر، ويتخلصن من جبال الهموم
أولاً بأول أثناء الوقوف أمام المواقد، فيعشن حياة أطول وأهدأ بالاً من الرجال
الذين تتراكم في صدورهم الأحزان وتتكتم، فتقهرهم سريعًا وتطفئ فيهم الحياة.

