نبذة عن القصة :
يستعرض النص قصة إنسانية مؤثرة يرويها الكاتب عن صديق له، كان دائم الذكر
والتعلق بأمه الراحلة وعاطفتها الاستثنائية التي نعتها بـ "الست شادية"،
وهي امرأة ريفية مصرية بسيطة وغير متعلمة، لكنها امتلكت وعياً وفطرة إنسانية تفوقت
بها على نظريات التربية الحديثة.
يؤكد النص أن "القبول الأمومي الفطري"
الذي قدمته الست شادية حمى الابن من الصراع النفسي المشوّه، وجعله متصالحاً مع
ذاته، قادراً على حب نفسه والعالم دون الحاجة للبحث عن اعتراف من الآخرين".
القصة :
التقيتُ به عدة
مرات في مناسبات مختلفة، ودوماً ما كان يذكر أمه وحبه وتعلقه بها، لدرجة أن جميع
المحيطين به صاروا يعرفون اسمها «الست شادية». في البداية كنت أتخيل أن الموضوع
مجرد تعلق زائد بالأم؛ فجميعنا نحب أمهاتنا، ولكن ليس لدرجة ذكرهنّ في كل
المناسبات.
ذات
مرة أدركت أن الست شادية ليست هنا على الأرض، وأنها توفيت منذ فترة طويلة، ففسرت
حبه الزائد لها بأنه بسبب الفقد.
ولكن في لقائنا
الأخير، عندما دار نقاش بين مجموعة من الأصدقاء حول تجاربهم المؤثرة في حياتهم،
كان من المتوقع أن يتحدث هو عن أمه «الست شادية»، ولكن ما قاله هذه المرة صدمني
للغاية!
«الست
شادية» ربة منزل مصرية، غير متعلمة، من سكان الأرياف البسطاء، لديها الكثير من
الأولاد -هكذا يراها الناس- ولكن بالنسبة له كانت ملكة على الأرض، أو محاربة، أو
ملاكاً، أو الإلهة حتحور أو نوت إلهة السماء، هكذا كان يراها.
عندما
كان صغيراً، كان يُقارَن دوماً بأخته الأصغر منه والتي كانت أقوى وأشجع منه، وكانت
صاحبة بشرة أغمق من بشرته بكثير، وكان هذا مثار سخرية من المحيطين به. قرر يوماً
-بناءً على معلومة شعبية سمعها من أحد الأقران- أنه لو قام بدهن جسمه بمشروب
الشعير (البريل) وبقي تحت أشعة الشمس فترة فسوف يتحول لونه للأغمق. وبالفعل قام
بهذه التجربة، وعندما رأته أمه صُدمت وقالت له: "ماذا فعلت بنفسك؟" قال:
"أردت أن أصبح أغمق حتى يتوقف المحيطون عن لومي على تلك البشرة
البيضاء".
ضمته «الست
شادية» إلى صدرها وقالت له: "لستَ محتاجاً أن تغير لونك ولا جلدك.. لا تتغير
من أجل أحد.. كن كما خلقك الله.. فصنع الله أجمل".
ومرت
سنوات وصرتُ في المرحلة الإعدادية -مرحلة البلوغ- وصار لي صديق مقرب أقضي معه كل
وقتي، وبدأت مشاعري تنمو نحوه؛ مشاعر بريئة تتفتح داخلي، ورغبات في أن ألمس يديه،
كانت مرحلة اكتشاف واستكشاف لذاتي وميولي.
ويبدو أنها
بقدراتها الخارقة كانت تفهم أدق الإشارات؛ إذ جاءتني ذات يوم تسألني: "ما سر
تعلقك بصديقك؟"
- "لم
أستطع أن أكذب عليها أو أن أخفي تلك المشاعر التي تملأني، وصارحتها بحبي له. لم
تنفعل، ولم تغضب، ولم تبكِ، ولكنها تقبلت وتفهمت ونصحتني قائلة: "لا تجعل هذا
الحب مدعاة لأن يلهيك عن مذاكرتك ومستقبلك".
لم أستطع أن
أتركه يسترسل في حديثه وقاطعته قائلاً: "إن هذا من أغرب ردود الأفعال التي
يمكن أن أتخيلها من أم مصرية بسيطة! ما هو تفسيرك لهذا؟"
قال:
"المحبة تغلب دائماً؛ الست شادية هي امرأة أحبت وعشقت زوجها وتحدت أهلها كي
تختاره هو دون غيره بالرغم من صعوبة ظروفه، لكنها أصرت على الحب واختارته وحاربت
من أجله، لذلك أعتقد أنها فهمت حبي وقدرته، ولهذا قبلته".
سألته:
"بمناسبة ذكر الأب الذي اختارته «الست شادية»، ما موقفه منك ومن حياتك
وميولك؟"
قال: "هو
رجل بسيط وطيب جداً، لكنه لا يعلم ولم يلتقط الإشارات كما فعلت «الست شادية» التي
كانت تحترمه وتبجله للغاية".
سألته: "هل
تعتقد أن تقبلها لميولك أثر في تشكيل شخصيتك؟"
قال:
"طبعاً.. تقبلها لي ولميولي جعلني أتقبل ذاتي من البداية، ولم أعانِ من
الصراع النفسي الذي يمر به معظم (الكوير) ويشوههم؛ قبولها لي جعلني لا أبحث عن
القبول من أي أحد آخر في العالم، وأصبحت شخصاً يعطي الحب. قبولها جعلني قادراً على
أن أحب نفسي وأحب الناس كلها".
إن ما تحكيه
الآن عن «الست شادية» المصرية البسيطة جعل عقلي يقيم مقارنة بينها وبين تلك الأم «ماري»
بطلة فيلم «Prayers
for Bobby»
المأخوذ عن قصة حقيقية؛ تلك الأم الأمريكية التي اكتشفت ميول ابنها «بوبي» ولكنها
رفضت وقاومت مشاعره، وضغطت عليه بالعلاج النفسي والدين وبكل الوسائل لشفائه -كما
يدعون- ولكن دون جدوى. فما كان من «بوبي» إلا أن انتحر.
بعدها انهارت
الأم وبدأت رحلة بحث ومراجعة قاسية لإيمانها وأفكارها، وأدركت مؤخراً أن ابنها
وُلد هكذا، وأن تزمتها وعدم قبولها له كان السبب الأساسي الذي دفعه للانتحار.
وتتحول «ماري» من امرأة محاربة للمثلية إلى واحدة من أشهر المدافعين عن حقوق
المثليين، وفي نهاية الفيلم ألقت «ماري» خطبة رائعة لتوعية الأهالي بضرورة قبول
أبنائهم وحمايتهم حتى لا يتكرر مصير «بوبي».
أما
بالنسبة لك، وقد كانت «الست شادية» صاحبة الموقف العظيم المخالف تماماً لماري بطلة
الفيلم.. ماذا لو أُتيحت لكَ الفرصةُ أن تُلقيَ خطبةً الآن لأهالي وعائلات أفراد
مجتمع الميم، بماذا تريد أن تنصحهم؟
رد قائلاً:
"سأقول لهم: حبوا عيالكم واقبلوهم زي ما هم؛ لما عيالكم هيتحبوا منكم، هيحبوا
العالم، ولما يتقبلوا منكم هيطلعوا أشخاص رائعين".

