أعتقد أنني لم أمرّ
بتلك الحالة التي أعيشها هذه الأيام من قبل؛ فقد فقدتُ صديقي الوحيد.. الذي كان
هناك دائماً.. يستمع إلى همومي وشكواي.. قلمي.. فلم أعد قادراً على
الكتابة.. وسيلتي الوحيدة لإخراج ما بداخلي.. وسيلتي لفهم ذاتي الحائرة.. قلمي لم
يكن للكتابة فقط.. فقد كان مرآتي التي تظهر كل ما لا تراه العين المجردة..
يبدو أنني كسرته للتخلص من مواجهة الذات.
أغلقتُ نوافذ العقل..
فساد الظلام داخل عقلي.. منعته من التفكير فيما يحدث في حياتي.. فعلتُ هذا باختياري.. ربما بعد إصابتي بداء السكري الذي جاء كنتيجة مباشرة للحزن
والخوف اللذينِ كانا قد أصبحا شريكينِ أساسيينِ في حياتي.. فعلتُ هذا خوفاً
من أن تتدهور حالتي.. كل من يتكلم معي هذه الأيام.. سواء كان يحكي
أو يشتكي هموماً يعاني منها.. أقول له: (لا تحزن).. أقولها له ربما لأذكر نفسي بها
أولاً.. (لا تحزن) أصبحت من مفرداتي الجديدة التي لم أكن أستعملها قبل
الآن.. إلا مرة واحدة.. لا شيء يستحق.
إغلاق نوافذ العقل
أفقدني الحياة.. لم أعد أشعر بأني أحيا.. عدم التفكير فيما يحدث في حياتي..
أفقدني الكثير من معاني الحياة.. وأهم هذه الأشياء الحب.. أعتقد أنه من أهم
الموضوعات التي أتجاهلها عن عمد.. فقد وضعته على رأس قائمة الأشياء التي
أمنع عقلي من التفكير بها.
المشكلة تكمن في: هل
حقاً أنا أعيش بهذا الشكل أم أنني أخدع نفسي؟ لا أشعر بأي شيء.. التبلد هو الشعور المهيمن.. فقدتُ أيضاً القدرة على الحكم على
الأشياء.. دوماً كنتُ أقف هناك أصدر أحكامي ونظرتي للأمور والتجارب التي مررتُ
بها.. وأخرج بنتائج قد أكون صائباً فيها أو مخطئاً.. لا يهم.. لكني كنتُ أرضى بما وصلتُ إليه.. الآن لم أعد قادراً على
إصدار الأحكام.. وأتجاهل التفكير بالماضي.
عندما لا تستطيع أن
تكمل هدم أنقاض ماضيك القديم المنهار وتزيلها من حياتك.. فلن تستطيع أن تبني
الحاضر ولا المستقبل.
يبدو أني أجلس
هناك فوق صخرة الوحدة.. أقدم نفسي قرباناً للماضي السخيف.. منتظراً أضحية إلهية.. معطياً ظهري لأطلال مدينتي حتى لا أتذكرها.. محاولاً تجاهلها.. غير
قادر على استخدام معول الحاضر لأزيل هذه الأنقاض من حياتي.. كي يتسنى لي
وضع أسس بناء جديد.. أعتقد أن هناك من سرق المعول.
يبدو أن هذا قد سمح
لكثير من الكلاب الضالة والحيوانات المتشردة بالدخول لأنقاض مدينتي المتهدمة..
ليعبثوا بها ليلاً.. تاركين مخلفاتهم الكريهة هناك.. وأنا ممدد فوق
المذبح.. لا قوة عندي للدفاع.. إلى متى سأمكث هكذا؟ لا أعلم...

