Showing posts with label قصص قصيرة. Show all posts
Showing posts with label قصص قصيرة. Show all posts

26 May 2026

الست شادية - قصة حقيقية



نبذة عن القصة :

يستعرض النص قصة إنسانية مؤثرة يرويها الكاتب عن صديق له، كان دائم الذكر والتعلق بأمه الراحلة وعاطفتها الاستثنائية التي نعتها بـ "الست شادية"، وهي امرأة ريفية مصرية بسيطة وغير متعلمة، لكنها امتلكت وعياً وفطرة إنسانية تفوقت بها على نظريات التربية الحديثة.

​يؤكد النص أن "القبول الأمومي الفطري" الذي قدمته الست شادية حمى الابن من الصراع النفسي المشوّه، وجعله متصالحاً مع ذاته، قادراً على حب نفسه والعالم دون الحاجة للبحث عن اعتراف من الآخرين".

 

القصة :

كنا نعرف اسم «الست شادية» قبل أن نعرف اسم صاحبنا نفسه.

في كل حشد، وبين كل زحام، كان يطرح اسمها كعشبة نافعة وسط حديث عابر؛ يذكره بنبرة تفيض بدفء خاص لا تخطئه الأذن. في البداية، ظننت الأمر مجرد عاطفة شرقية متضخمة نحو الأم، فكلنا نحب أمهاتنا، لكن أحداً منا لا يمرر اسم أمه في كل تفصيلة يومية بهذا التجلي. ثم جاء ذلك اليوم الذي عرفت فيه أن الست شادية لم تعد هنا.. إنها تحت التراب منذ سنوات. حينها فقط، فسّرت الأمر على أنه مجرد ظلال لفقد قديم لم يندمل.

 

غير أن اللقاء الأخير لم يكن كغيره.

 

كنا نخوض حواراً دافئاً في جَلسة أصدقاء، ندور حول الحوادث التي صنعتنا والندوب التي تركت أثراً في أرواحنا. كان متوقعاً أن يلتف الحديث ليصل إلى ساحة «الست شادية»، لكن المفاجأة تلظّت في نبرة صوته هذه المرة.

 

كان يصفها بعينين تلمعان: ربة منزل مصرية، بسيطة، تشربت من تراب الأرياف وحكمته، لم تطأ قدمها مدرسة، وتزاحم في بيتها الأبناء. هكذا تراها العين العابرة. لكنها في وجدانه كانت شيئاً آخر؛ ملكة تمشي على الأرض، محاربة من طراز قديم، أو ربما إلهة فرعونية كـ «حتحور» تجسد الحب، أو «نوت» وهي تبسط حنانها كسماء تحمي طفلها.

 

سرح قليلاً، ثم أخذنا إلى طفولته البعيدة.

 

كان صبياً يرزخ تحت ثقل المقارنة المستمرة بينه وبين أخته الأصغر؛ كانت أجرأ منه، وأغمق بشرة. وفي بيئة لا ترحم، أصبحت بشرته البيضاء مادة يومية للسخرية واللوم. وفي لحظة قلق طفولي، التقط أسطورة شعبية من أقرانه في الشارع: «المشروب الذهبي مع شمس الظهيرة يمنحك لوناً داكناً«.

 

لم يفكر مرتين. سكب علبة «البريل» على جسده الغض، وقفز إلى السطح ليتسمر تحت شمس حارقة. وعندما أبصرته أمه، هالها المشهد وسألته بذهول الفلاحة الذكية: "عملت في روحك كده ليه يا بني؟"

 

رد بصوت مخنوق: "عايز أسمَرّ زي أختي.. عشان يرحموني وما حدش يتريق عليّ."

 

لم توبخه، ولم تضحك من جهله الصغير. جذبت جسمه الملزّج إلى صدرها المترسخ بالدفء، وقالت بهدوء يقينِيّ: "أنت مش محتاج تغير لونك ولا جلدك.. لا تتغير عشان حد، خَليك زي ما ربنا خلقك.. صنع ربنا هو الأجمل."

 

صمت صمتاً قصيراً، وكأنه يسترجع رائحة ذلك الصدر، ثم استطرد: "كبرتُ، ووصلتُ إلى أعتاب المراهقة. ظهر في حياتي صديق مقرب؛ كنا نتقاسم الوقت والأسرار. وفجأة، بدأت أشعر برغبات تسري في داخلي لم أعهدها.. مشاعر بكر تتفتح ببطء، ورغبة بسيطة في أن ألمس يده. كانت رحلتي الأولى في اكتشاف ذاتي وميولي."

 

أكمل بصوت أكثر خفوتاً: "لكن الست شادية كانت تملك رادارات خارقة لا تخطئ. يومها، جلست أمامي، ونظرت في عيني بحديث حنون وسألتني: "سر تعلقك بصاحبك إيه يا بني؟"

 

لم أستطع الكذب؛ سحرها أطفأ أي رغبة في الهروب. فتحت لها قلبي وصارحتها بصدق. توقعت صراخاً، بكاءً، أو حتى صدمة يتبعها عقاب.. لكن شيئاً من هذا لم يحدث. احتوتني بعينيها، وتقبلت الكلمات بوقار أمومي نادِر، ثم قالت لي بنبرة هادئة: "لا تجعل هذا الحب يشغلك عن دراستك ومستقبلك."

 

هنا لم أستطع كتمان دهشتي، فقاطعته مستغرباً: "هذا أغرب رد فعل يمكن أن تصدره أم مصرية أمية وبسيطة! كيف تفسر هذا الاستيعاب؟"

 

ابتسم وقال: "المحبة تغلب دائماً يا صديقي. الست شادية كانت امرأة عرفت الحب بقلبها قبل عقلها. أحبت أبي وعشقته، وتحدت عائلتها لتختاره هو بظروفه الصعبة. طاردت الحب وحاربت لأجله، ولهذا عندما رأت الحب في عينيّ -حتى لو كان مختلفاً- عرفته فوراً ولم تحاربه."

 

سألته بشغف: "وماذا عن والدك؟ أين كان من كل هذا؟"


أجاب: "رجل طيب وبسيط إلى أقصى حد، لكنه لم يمتلك حدسها، ولم يرقَب الإشارات كما فعلت هي.. وهي بدورها كانت تصونه وتحترمه، فظلت تحمي سرّي بحكمة."


تابع وهو ينظر إلى الفراغ: "قبولها لي ولميولي هو ما أنقذني. جعلني أتقبل ذاتي منذ اللحظة الأولى، ولم أذق مرارة الصراع النفسي الداخلي الذي يمزق معظم أفراد (الكوير) ويترك في أرواحهم تشوهات لا تندمل. قبول الست شادية أغناني عن البحث عن القبول في عيون الغرباء.. جعلني شخصاً يعرف كيف يُحب ويمنح الحب للجميع."

 

حينها، قفزت إلى ذهني مقارنة صارخة، فقلت له: "حديثك عن أمك ينقلني فوراً إلى فيلم Prayers for Bobby.  تلك الأم الأمريكية «ماري» التي اكتشفت ميول ابنها «بوبي»، لكنها طاردته بالنصوص والتزمت والعلاج النفسي لتغيره، حتى دفعته إلى الانتحار. ولم تفهم إلا بعد فوات الأوان، لتقضي ما تبقى من عمرها محاربة لتوعية العائلات كي لا يكرروا مأساة ابنها."

 

ثم التفتُّ إليه وسألته: "إذا كانت أمك قد صنعت الفارق العظيم بعكس ماري تماماً.. لو أتيحت لك الفرصة الآن لتقف وتوجه خطبة لكل عائلات مجتمع الميم، ماذا ستنصحهم؟"

 

تنهد ببطء، وكأن روح الست شادية هي من تتحدث على لسانه، وقال: "سأقول لهم جملة واحدة: حبوا عيالكم واقبلوهم زي ما هُما.. لما عيالكم هيتحبوا منكم، هيحبوا العالم، ولما يتقبلوا منكم، هيطلعوا أشخاص رائعين."

 


18 June 2013

قُبلة قبل 30 يونيو - قصة قصيرة


عقلي: اخرج، فلن يأتي الحب إليك وأنت جالس هنا في صومعتك.

قلبي: لا تخرج، فتعود بجرح جديد.

صراع قائم داخلي منذ أمس ولم يُحسم حتى الآن.. باقي ساعة واحدة ويكون هناك في مقر عمله.. أفكر في الخروج والذهاب إليه كما وعدته.. قابلته مرة واحدة قبل هذا.. أعجبني.. لكني أخفيت مشاعري عنه حتى يُظهر هو ما يدل على إعجابه بي.. لم يظهر شيء.. عدت حزيناً يومها.

 

»شخصيتك تمنع أي حد إنه يبين مشاعره.. يعني حاجة أشبه بهيبة السلطان.. مش عارف يمكن عشان كنت متخيلك كده من قبل ما اكلمك أصلاً، فالإحساس متغيرش بعد ما كلمتك«.

 

قررت الخروج.. أسير باتجاهه.. أخرج الهاتف لأخبره بأنني في الطريق إليه.. لكن جموعاً من الناس تجري بالشارع مذعورين، ومن بعيد أرى شباباً يحملون أسلحة بيضاء وعصياً وسلاسل حديدية.. لا أفهم ماذا يحدث.. ينتابني الرعب.. أسأل.

 

«إنهم متظاهرون يطاردون أنصار الإخوان الذين قاموا بضرب الثوار المعتصمين سلمياً صباح اليوم بالأسلحة البيضاء والخرطوش.. وجاء هؤلاء الشباب للانتقام من أنصار الإخوان.«

 

علامة استفهام كبيرة تعلو رأسي: كيف يتعرفون على أنصار الإخوان من بين الناس؟ هل هناك شيء يميزهم عن باقي الشعب؟ أنظر لنفسي متسائلاً: هل أبدو إخوانياً؟ ملابسي لا تدل على أنني متدين.. ذقني ليست حليقة.. دائماً أهذبها ولكني لا أحلقها.. أرتدي نظارة طبية.. أحمل حقيبة صغيرة بها بعض أشيائي الهامة التي لا أستغني عنها.. بالطبع لا أبدو إخوانياً.. ولكن.. معي كتاب يتحدث عن تاريخ الإسلام لأحد الشيوخ، واسم سيد قطب على الغلاف ككاتب لمقدمة الكتاب.. ماذا أفعل بهذا الكتاب؟

 

في تلك الأوقات ليس هناك وقت للشرح والتوضيح.. لا أحد يسمع في تلك الأوقات حيث العقول تكون مغيبة.. في الحقيقة هي مغيبة معظم الأوقات.. إن ما يحدث الآن هو أن عامة الشعب والغوغاء الذين تم خداعهم باسم الدين قد فاقوا على كابوس الحقيقة المرة، وأدركوا أنه تم خداعهم فجاء دورهم للانتقام.. الانتقام من هؤلاء مدعي الدين ومن كل شيء يحمل رمز الدين.. لا أحد يستطيع لومهم ومطالبتهم الآن بأن يفرقوا بين مدعي الدين والدين والمتدينين الحقيقيين؛ لأنهم لو كانوا يدركون هذا الفارق من البداية ما استطاع أحد أن يخدعهم ويضحك عليهم باسم الدين.

 

لا بد أن أخفي هذا الكتاب.. حمداً لله أن الكتاب صغير الحجم وتستطيع هذه الحقيبة أن تحتويه داخلها.

  • بس، بس، يا أستاذ.

أنظر خلفي لأجد سيدة تقف أمام محل كبير.. تشير لي قائلة:

  • لو سمحت، إنت من «حركة تمرد»؟
  • لا. بس لو حضرتك عاوزة استمارة ممكن أطبع لك.
  • لا أنا مضيت فعلاً.. أنا بس كنت هسألك إيه اللي بيحصل؟

شرحت لها ما يحدث.. قالت لي:

  • لو احتجتوا أي حاجة أنا هنا.. أنا صاحبة المكان.. ربنا معاكوا.

 

شكرتها.. بدأت أستجمع شجاعتي.. أخرجت هاتفي وبدأت أغرد على تويتر لأنقل ما يحدث أمامي للعالم.. بدأت في تصوير ما يحدث.. إن هؤلاء ليسوا الثوار التقليديين.. إن ما يحدث ليس كالمعتاد.. المطاردات امتدت للمساجد والمستشفيات بحثاً عن فريسة من أنصار الإخوان.. لو وجدوا أحدهم في هذا الوقت لتحول إلى أشلاء.. ولكن جاء الانتقام من محلات وسيارات لأشخاص ينتمون للتيارات الإسلامية.

 

بعد مرور ما يقرب من الساعتين، بدأت الجموع تهدأ، فقد أخرجوا غضبهم نحو النظام بهتافاتهم عبر الشوارع مع تأييد واضح من باقي الشعب غير المشارك في التظاهرات والذين خرجوا يشاهدون ما يحدث.. إحدى السيدات خرجت لتلقي الحلوى على جموع الشباب كنوع من التأييد لهم ضد النظام الحالي.

 

تعبت أنا أيضاً من السير.. اتصلت به لأخبره بأنني في الطريق إليه.. وجدته في انتظاري.. حكيت له عما حدث لي خلال الساعتين الماضيتين. كان مختلفاً قليلاً عن المرة السابقة.. سألته هل ما زال يهابني؟ أجاب: لا.. تكلمنا كثيراً.. أخبرته عن المعاناة التي لقيتها من إقامة علاقة مع شخص بعيد عني في المكان.. المسافة تجعل العلاقة وكأنها حلم وليس واقعاً.. لا تشعر حقاً بالإشباع.. المشكلة أنني لا أجد أحداً قريباً مني.

سألني: ألم تجد أحداً من هنا حتى الآن؟

ابتسمت قائلاً: هل تقصد.. أنت؟ أنا تعلم أني أريدك ولكنك لا تريدني.

  • من قال ذلك؟ أنا أيضاً أريدك ولكنك تعرف أن الفترة الماضية كنت منشغلاً بدراستي وقبلها بمرضي.
  • هل هذا معناه موافقتك على الارتباط بي؟
  • طبعاً.. لكن هذا ليس معناه.. أن نكون مع بعض الآن.
  • خذ وقتك.. لا داعي للعجلة.. ولكن لا بد أن تبدأ علاقتنا قبل 30 يونيو.

يضحك.. فأضع يدي على كتفه قائلاً له: «مش هتجيب بوسة بقى؟«

15 February 2009

أدركتُ الخطأ


يجلس على مكتبه منهمكاً في عمله كعادته.. وحيداً كالعادة حيث يفضل الابتعاد عن الآخرين.. علاقاته بهم سطحية لا تتطور لأمور شخصية.. فهو لا يحب أن يتدخل في حياة الآخرين ولا يحب أن يتدخل الآخرون في حياته.. تدخل عليه وتحييه قائلة بصوتها الغليظ:

  • ممكن أقعد معاك شوية؟
  • آه طبعاً.. ثواني أجيبلك كرسي.
  • لا لا خليك.. أنا هجيبه بنفسي.

 

تجلس أمامه.. يتبادلان الابتسامات دون كلام.. تملأ الدهشة عقله.. فهم ليسوا بأصدقاء.. فقط السلام هو الشيء الوحيد الذي يدور بينهم دائماً.. كذلك اندهش من رد فعلها بخصوص المقعد وأنها رفضت أن يحضره لها وأصرت هي على القيام بذلك.. سحبت أحد المقاعد البعيدة واقتربت من مكتبه وجلست أمامه ثم بدأت هي الكلام قائلة:

  • مكتبك حلو فعلاً.
  • شكراً، هو صغير صحيح بس أنا فعلاً بستريح فيه.. كمان بعيد عن الناس، يعني مش بحب الدوشة وكده.
  • تمام.. قولي عملت إيه امبارح في الفالانتين؟
  • ولا حاجة.. خرجت شوية مع واحد صاحبي وخلاص.. إنتي عملتي إيه؟
  • مفيش، كان يوم عادي جداً.. أنا وخطيبي خرجنا اليوم اللي قبله وقعدنا في كافتيريا.
  • كويس قوي.
  • إحنا مالناش في موضوع الرومانسية قوي والكلام ده.
  • غريبة!!
  • لاء بجد صدقني.. إحنا بنحب بعض جداً وعلى فكرة إحنا أصحاب قبل ما نكون أحباب.. ولا يمكن إني أبعد عنه بأي شكل من الأشكال حتى لو موضوع ارتباطنا مش كمل ومتجوزناش.. هيفضل في حياتي ومش ممكن نبعد عن بعض، وهيفضل حد مهم في حياتي.

 

ينظر إليها بدهشة.. يرى كلامها غريباً ومختلفاً.. ربما لأنها بنت.. يرد عليها قائلاً: ده شيء كويس وجميل.

تصمت هي قليلاً ثم تكمل: تعرف إن أي ارتباط مش لازم يكون قايم على الحب.. حتى في القرآن ربنا قال : (وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً) مقالش أحباباً.. يعني الحب والرومانسية والأفلام دي مش الأساس.. صدقني لو العلاقة قايمة ع الحب بس هتلاقيهم بعد أسبوع واحد من الجواز بيتخانقوا مع بعض.

 

ينصت إليها بدون تعليق.. ولكنه ينظر إليها بفضول واهتمام لسماع المزيد، وتكمل قائلة:

  • تعرف إن فيه ناس كتير جداً حاولوا وبيحاولوا يوقعوا بيني وبين خطيبي.. يمكن غيرة أو حسد.. لأننا مع بعض من سنين ومتفاهمين جداً.. صحيح بيننا خلافات ومشاكل وكل حاجة.. بس أنا وهو في دايرة واحدة.. مشاكلنا بتبقى بيننا وبس.. لو حتى هنموت بعض.. مش مهم.. المهم مفيش حد يتدخل بيننا.. ولو حد فكر إنه يتدخل أكله بسناني وأقوله مالكش دعوة.. حتى لو كانوا أقرب الناس.. حتى لو كانوا أهلنا.

 

ازداد إنصاته لها.. يتطابق كلامها مع حالة يعيشها هو.. يحاول الهروب بعينيه منها حتى يخفي ذلك اللمعان الذي ظهر في عينيه نتيجة لدموع كتمها داخله بكل الطرق محاولاً منعها من الخروج أمامها وقال:

  • تعرفي إن كلامك ده فكرني بكلام واحد صاحبي.
  • بص مش هقولك إني بحب خطيبي علشان هيتجوزني ويبقى جوزي وكده.. لا لا خالص.. أنا بحبه لأنه أبويا وأخويا وابني، وأنا زي ما قلتلك حتى لو لا قدر الله موضوعنا مكملش عمري ما هبعد عنه.

 

لم يعلق على كلماتها بشيء.. فقد امتلأ عقله بالأفكار والذكريات.. فنهضت واقفة مبتسمة قائلة:

  • طيب مش عاوز حاجة؟ وأنا أسفة إني ضايقتك.
  • لا لا بالعكس.. أنا متشكر ليكي.

 

انصرفت تاركة إياه حائراً.. تساؤلات كثيرة تدور بعقله.. لماذا جاءت إليه؟ لماذا دار هذا الكلام بينهم؟ لماذا قصت عليه تفاصيل علاقتها بخطيبها؟ إنهم ليسوا بأصدقاء.. هل ما حدث هو رسالة مقصودة وأن القدر أرسلها إليه لتعطيه درساً في الحياة؟؟

 

لم يستمر في حيرته طويلاً.. أخرج هاتفه المحمول وكتب إليه رسالة قصيرة بأنه أدرك الخطأ.



30 January 2009

أصداء النداهة



يسير الاثنان سوياً في الطريق، صامتَين، لا يدور بينهما أي حوار، لكن عقولهما تزدحم بالأفكار. يحاول "كريم" أن يتقرب منه واضعاً يده فوق كتفه كالمعتاد، فيزيح الآخر يده بعيداً عنه. يحزن كريم لكنه يداري حزنه؛ لا يفهم ما جريمته، ولِمَ كل هذا الغضب الذي يعتلي الآخر؟ يقتربان من إحدى إشارات المرور، حيث السيارات المسرعة التي يخاف منها كريم. يسير الآخر وحده عابراً الطريق، متجاهلاً كريم، غير مهتم به؛ لا يخاف عليه مثلما كان يفعل دائماً حين كان يمسك يده، وأحياناً يضع يده حول خصره ليعبرا الطريق سوياً. جرى كريم خلفه وعبر الطريق، لكن إحساساً باليتم ملأ قلبه.

 

سار بجوار الآخر، وأحياناً خلفه، والآخر لا يلتفت ناحيته، وكريم يخاف النظر إليه وهو في تلك الحالة. يتذكر كريم المشهد الأخير من فيلم "النداهة"؛ حيث يسير شكري سرحان ومن خلفه ماجدة، تحمل على أكتافها وزر جريمة لم ترتكبها حين اغتصبها أحد مخدوميهم، وتحملت هي وزر الجريمة وعقابها بالنفي من البلدة التي عشقتها. يقرر زوجها أن يعودا إلى بلدتهما، فتخلع ماجدة ثوبها الجديد الذي ارتدته في هذه المدينة التي تعلقت بها رغم كل سلبياتها، وترتدي الثوب الذي جاءت به، وتسير خلف زوجها منكسة الرأس. أمام محطة القطار تقف ماجدة، ويقف كريم.. لم يشعر شكري سرحان بها، ولم يشعر الآخر بكريم. تهرب ماجدة من شكري سرحان وتتوه في الزحام، بينما لا يستطيع كريم الهروب ويقف مكانه. يلتفت شكري سرحان حول نفسه باحثاً عن ماجدة فلا يجدها، ثم يلتفت الآخر للخلف فيجد كريم يقف بعيداً عنه، فيعود إليه ويسأله: "وقفت ليه؟". يجيب كريم حزيناً: "مفيش"، ويكملان سيرهما.

 

في نهاية الطريق، يخيره الآخر ما بين حبه له وبين وجود أصدقاء في حياته. تصيب الدهشة كريم، فيجيب بأنه لا مجال للمقارنة بين الاثنين، وليس هناك "اختيار"؛ فكلاهما مهم وضروري. يستشيط الآخر غضباً، فلا يقوى كريم على النظر إليه؛ فالعيون عند الغضب تكون مرعبة، ومنذ الصغر وكريم يكره العنف والغضب ويخاف العيون الغاضبة. يتحدث الآخر كثيراً، بينما يشعر كريم بالبرد الشديد، ولا يقوى على الاختيار ولا الكلام. يتهمه الآخر بالهروب، وبأنها طريقته المعتادة في حل المشكلات. لم يعد كريم قادراً على الصمود أكثر من ذلك، ركب العربة عائداً لبيته؛ يجتاح البرد كل خلية من جسده، ويملؤه الإحساس باليتم.


03 September 2008

ما زال هناك من يحبني


استقلَّ العربة عائداً إلى بيته.. جلس في المقعد الأخير كالعادة بجوار الشباك.. كان ذلك بعدما خرج مع أحد الأصدقاء لشراء بعض الأشياء لهذا الصديق. كان يشعر بالضيق والاختناق من ارتفاع درجة الحرارة، فما زالت العربة واقفة لم تتحرك منتظرة امتلاءها بالركاب.. لم يعبأ بالضجيج المحيط به، ولكنه بدأ في إغلاق عينيه واستنشاق أكبر قدر من الهواء الذي بدأ يهب مخترقاً الشباك، ومن ثمَّ بدأ في استعادة توازنه وهدوئه نتيجة استنشاق الهواء البارد الذي خفف من وطأة الحرارة.

 

أخذ يتأمل البشر من حوله، ومن بين الواقفين في ممر العربة كان هناك شاب يرتدي قميصاً مخططاً بخطوط طولية، وبنطال جينز وقبعة، وكان الشاب يتمتع ببنيان جسدي جيد؛ لم ينجذب للشاب جسدياً ولكنه كان يتأمله فحسب. لم يستمر في تأمله كثيراً، حيث اتجه بنظره إلى اتجاه آخر بعيد عن الشاب، وبدأ يتذكر ما حدث منذ قليل حينما دخل وصديقه أحد محلات الملابس، والتي أعجب صديقه فيها بقميص معروض لم يكن يوجد منه في المحل سوى تلك القطعة التي يرتديها "المانيكان" الواقف في المدخل.. قام البائع بتعرية المانيكان وخلع القميص عنه وأعطاه للصديق الذي دخل حجرة القياس ليجربه.

 

وقف هو هناك في مواجهة المانيكان النصف عارٍ.. يتأمل التمثال.. أعجبته دقة تفاصيل جسد هذا المانيكان، وتمنى أن يمد يده ليلمس هاتين العظمتين البارزتين أسفل الرقبة وأعلى القفص الصدري، تمنى أن يلمس عضلات صدر هذا التمثال، لا شهوةً، وإنما ليكتشف الفرق بينها وبين أجساد البشر الأحياء.. لكنه لم يفعل.. تذكر تلك القصيدة التي كتبها في الماضي عندما أحب شخصاً ما، ولكنه كان يخشى الاعتراف له بالحب، لذلك كتب له تلك الكلمات:

"أتمنى أن أصنع لك تمثالاً

لا أخشى منه الرفض

لا أنشد منه إلا الحب.

أتمنى أن أصنع لك تمثالاً

أو أن أكون فارس أحلامك

لا أخشى منك الرفض

لا أنشد منك إلا الحب."

 

تذكر تلك الأبيات وبدأ يفكر.. في الماضي كان يريد التمثال لأنه يخشى الواقع، ولكنه الآن يتمنى التمثال لأنه كره الواقع.. هل حقاً يستطيع أن يعشق تمثالاً؟ سؤال راود عقله. ولكن ما المانع ما دام هذا التمثال لن يكذب عليه.. لن يخدعه.. لن يهجره.. لن يرفضه.. ما هذا؟ هل أصابه الجنون؟ قاطع تفكيره صوت صديقه الذي خرج من حجرة القياس مرتدياً القميص قائلاً له:

  • إيه رأيك يا كريم؟

 

يصل الهواء محملاً برائحة دخان شيشة التفاح، فيستنشق الهواء البارد المعطر بتلك الرائحة مستمتعاً.. كم يحب هذه الرائحة.. الرائحة فقط، لأنه لا يدخن الشيشة ولا أي نوع آخر من التبغ.. تنطلق ذكرى أخرى في عقله.. منذ يومين حينما ذهب إلى "الكافيتريا" لمقابلة شخص تعرّف إليه من خلال الإنترنت، كان هذا الشخص يتحدث معه كثيراً عبر "الشات"، وكان يُسمعه أحلى كلمات الحب والعشق مثل: "إنني خلقت فقط لأسعدك.. أنا مستحيل أبعد عنك.. أنا اتخلقت علشان أكون جنبك" إلى آخر تلك الكلمات. طلب منه كريم التوقف عن التعبير عن مشاعره تلك حتى يتقابلا في الواقع، لأنه ليس هناك حب قبل اللقاء الواقعي، ولكن الطرف الآخر قال إنه لا يهمه شكله، وكل ما يهمه هو تلك الروح التي عشقها.

 

بعد نهاية اللقاء وعودة كل منهما إلى بيته، ثم لقائهما على "الشات" مرة أخرى، قال هذا الشخص له إنه لن يستطيع أن يحبه لأن كريم ما زال يعشق حبيبه السابق، وإنه هكذا سيظلمه معه. ضحك كريم من هذا الكلام، وتذكر أن هذا الشخص قال له سابقاً إن ذكريات الماضي لا تضايقه لأنها جزء منه.. فهم كريم أن هذا الشخص لم يُعجب بشكله، ولكنه كان في حيرة.. ما الذي يدفع إنساناً أن يقول كلمات حب لا يشعر بها، أو أن يعطي وعوداً لا يكون قادراً على الوفاء بها؟ أليس من الأسهل أن يصمت الإنسان إن لم تكن هناك مشاعر داخله، أو أن يكون صريحاً؟ لا أحد يجبر إنساناً آخر على إطلاق كلمات حب غير نابعة من القلب.. ولكنه تذكر أن هذا الشخص قال له أثناء حوارهما في "الكافيتريا" إنه كان من هواة الجنس الهاتفي.. لهذا لم يستمر كريم كثيراً في حيرته، حيث إن كل تلك الكلمات التي قيلت له هي مجرد كلمات.. شيء عادي يقال في كل مكالمة جنسية يجريها هذا الآخر.. عادي.

 

يدرك كريم جيداً أنه ليس من ذوي الأشكال الفاتنة، ولا يتمتع بالكثير من مظاهر الجمال، ولكنه في النهاية إنسان يستطيع أن يُحِب ويتمنى أن يُحَب، وأن الجمال الخارجي ليس كل شيء ولا يدوم طويلاً. وهو يعرف أنه يتمتع بالقبول لدى الآخرين، ولديه القدرة على جذب حبهم، ويعتقد أنها هبة من الله.. في أوقات كثيرة يكره كريم شكله ويتمنى أن يكون جميلاً مثل فلان أو فلان، ولكن يعود فيقتنع أن كل إنسان يحمل في داخله مواطن جمال تختلف من شخص لآخر.

 

ينتبه كريم وينهض للنزول من العربة حيث محطة وصوله، يغادر العربة متجهاً نحو بيته وهو يشعر بمشاعر لا يعرف هل هي حزن، ألم، يأس، أم كل هذه المشاعر معاً.. يصل كريم إلى الشارع الذي يقع فيه بيته، ومن بعيد يرى طفله الصغير يجري نحوه، حيث كان يجلس على درجات السلم أمام البيت.. حينما رأى كريم نهض مسرعاً باتجاهه، فتلقفه كريم في حضنه وقبّله وسأله:

  • أنت قاعد هنا كده ليه؟

فقال له الطفل فرحاً:

  • كلهم ناموا وأنا قاعد مستنيك.

حضنه كريم مرة ثانية ودخل البيت حاملاً طفله وهو يشعر بالفرح والسعادة التي محت كل الهموم والمشاعر الأخرى التي كانت تملأ داخله منذ قليل.. فما زال هناك من يحبه كما هو.



Popular Posts