كنت طفلاً صغيراً...
لا يفهم شيئاً في الحياة سوى أنه يشعر بأنه مختلف... مختلف عن
أصدقائه في الهوايات وفي الطباع؛ يميل أكثر للهدوء وللمكوث في البيت
ومشاهدة التلفزيون... لا يحب كرة القدم، بل يفضل اللعب بالعرائس... يهوى أعمال المنزل ويحب
النظام والنظافة... يميل لكل ما هو جميل... لا يحب الفوضى. يميل لمشاهدة الرجال
الوسيمين ويتمنى أن يصبح مثلهم عندما يكبر.
كان المعلمون هم
أول من لفتوا انتباهي، كنت أُحب وأُعجب بمعلميّ في المدرسة.. كنت
أتمنى أن يصبح أحدهم أبي... في أوقات كثيرة كنت أخطئ وأنا أحدث أحدهم فأقول له: "أبي"... ربما لنقص الإحساس بالأبوة أو حنان الأب...
نعم، هو كان موجوداً ولكن لم يكن له وجود.
وعندما وصلت للمرحلة
الإعدادية، ومع ظهور علامات البلوغ... وبداية مرحلة المراهقة التي نمر بها
جميعاً، ومع بداية الأفكار الجنسية.... بدأت الكارثة:
لم أجد نفسي مثل
أقراني وزملائي. لم أجد في النساء أو البنات ما يجذبني ويشد انتباهي. بل وجدت نفسي أهيم
عشقاً برجل -كان جارنا- كلما رأيته ينتفض قلبي عشقاً له. وعندما أُسلم عليه
باليد كنت أطير فرحاً. تمنيت أن أقبله، أن أتذوق طعم لعابه. كان ضيفي دائماً في
الأحلام، حيث هناك كان يتحقق كل ما كنت أتمناه أن يحدث في الواقع.. كل شيء
فيه كان يجذبني إليه؛ بداية من شعر رأسه إلى أصابع قدميه. بدأت حياتي تنقلب. بدأت أشعر بالإثم...
ما هذا الذي بداخلي؟ لماذا لست مثل أصدقائي؟ لماذا الرجال وليس النساء؟
بدأت أتقوقع حول ذاتي. أصبحت انطوائياً
لأقصى درجة، خوفاً من أن يكتشف أحد ما في داخلي من حب وعشق لهذا الرجل.
بدأ الإحساس بالإثم
يجتاحني.. والخوف من الله.. والإحساس بأني من أهل النار.
تخيل طفلاً يشعر بكل
هذا ويعيش وحيداً في هذه الصراعات! يخشى أن يخرج أي شيء من داخله، أو يشكو أو يفضفض بسره لأحد..
طفل يخشى الله والناس والآخرة.
تخيل طفلاً يحمل كل
هذه المشاعر داخل صدره الصغير. وحده يحمل كل هذا.. مسكينة نفسي تلك.. تحيا صراعاتها منذ نعومة أظافرها.. كلما ضاقت بي الدنيا وضاق صدري وعقلي
عن التفكير.
كنت أقول لنفسي... لما أِكبر هتغير وهبقى زي باقي الناس.




