نبذة عن القصة:
قصة درامية نفسية تفيض بالتشويق والتوتر،
تسلط الضوء على قضية "الابتزاز الإلكتروني والجسدي"، مستعرضةً الآثار النفسية المدمرة للوقوع
ضحية لشخص سيكوباتي ومستغل. تعتمد القصة على تقنية المفارقة الزمنية (الفلاش باك)
للتنقل بين برودة الخوف والاضطراب التي يعيشها البطل في الحاضر، وبين الأحداث
الصادمة التي مر بها في الماضي القريب.
القصة:
الآن:
وحيداً.. شارد الفكر.. يجلس في إحدى عربات
القطار المكيف المتجه نحو مدينة بعيدة عن مدينته ناشداً الأمان. يحاول التغلب على
شروده بمحاولة يائسة لقراءة أحد الكتب التي اصطحبها معه، ولكن دون جدوى؛ لم تفلح
تلك الحيلة هذه المرة. يشعر ببرودة تسري في جسده النحيل، وليس التكييف هو المسؤول
عن هذه البرودة الداخلية التي يعانيها؛ فالجو في الخارج أغسطسّي شديد الحرارة،
بينما الجو في داخله شتوي قارس، ملبد بالغيوم. هو يعرف السبب جيداً: إنه الخوف.
قبل الآن بسبعة أيام:
"أعتقد أنني قابلتك
قبل هذا"؛ هكذا بدأ الآخر كلامه معه. التفت إليه شادي محاولاً البحث عن هذا
الوجه في ثنايا ذاكرته الضعيفة نوعاً ما في تذكر الأسماء، والقوية في تذكر الملامح
والوجوه، لكنه لم يجده هناك. كان الآخر رجلاً أربعينياً، ذا بنية جسدية قوية وملبس
شبابي. لم ينجح شادي في تقدير عمره الصحيح، إذ بدا مظهر الآخر الخارجي أصغر من سنه
الحقيقية.
"لا أعتقد أنني قابلتك
من قبل"؛ هكذا أجابه شادي.
دار بينهما حوار قصير عادي في لقائهما
الأول كغريبين جمعتهما الصدفة في هذا المكان. أبدى الآخر إعجابه الشديد بأخلاق
شادي وأدبه في الحوار، فاحمرّ وجه الأخير كالعادة عندما يمدحه أحد، وشكره.
الآن:
يزداد إحساسه بالبرودة. يحاول أن يبتعد
بتفكيره عن هذا اللقاء وعن هذا الشخص، ويحاول أن يشغل نفسه بمشاهدة الركاب
المحيطين به في القطار، لكنه لا يستطيع؛ فالمقاعد المرتفعة تحجب الرؤية، واصطفافها
في اتجاه واحد –بخلاف القطارات العادية التي تتقابل مقاعدها في شكل مربعات تسمح
بتلاقي الركاب وجهاً لوجه– لم يمنحه أي فرصة للانشغال عن ذاته. حتى المقعد المجاور
له، يجلس فيه طفل صغير في الثامنة من عمره، نائم منذ بداية الرحلة، متدثر بغطاء
يبدو أنه يخص أمه التي تجلس في الصف المقابل لهما.
قبل الآن بثلاثة أيام:
يعود إلى حجرته حاملاً كوبين من عصير
البرتقال، ليجد الآخر هناك يجلس أمام الحاسوب يتصفح موقعاً للأفلام الإباحية. يقدم
شادي له العصير ويجلس بجواره، وتبدو على وجهه علامات الدهشة. يسأله الآخر إن كانت
هناك مشكلة في تصفح هذه المواقع، فيجيبه شادي بأنه لا توجد مشكلة، ولكنه مندهش لأن
الآخر متزوج وبالتأكيد لا يحتاج إلى هذا النوع من المتعة، فيجيب الآخر بأنها مجرد
تسلية.
الآن:
يزداد إحساس البرودة في داخله؛ تصطك أسنانه
ويرتجف جسده. يخاف أن يشعر به الآخرون من حوله، ويحمد الله أن من بجواره طفل نائم.
يفتح حقيبته ويخرج منها قميصاً (تيشرت)، يرتديه سريعاً فوق ملابسه الأخرى متمنياً
أن يتخلص من هذا البرد الرهيب.
قبل الآن بثلاثة أيام:
يسأله الآخر عما إذا كان هناك أحد في البيت
غيره. يندهش شادي لسؤاله، لكنه يجيب بأن أمه هناك ولكنها نائمة، وأخاه في حجرته.
يطلب منه الآخر كوباً من الماء لأنه يشعر بالظمأ، فينهض شادي ليحضره له. وعندما
عاد، وجده يمارس العادة السرية. يتجنب النظر إليه ويسأله عما يفعل، فيجيبه الآخر
بأنه يشعر بإثارة شديدة، وبأن هذا شيء عادي يفعله كل الرجال. يسأل الآخر شادي إن
كان يفعل ذلك، فيجيبه: "أحياناً". يجلس بجواره غير قادر على التفكير في
رد الفعل المناسب الذي يجب أن يتخذه تجاه هذا الموقف. يسأله الآخر عن سبب هذا
الارتباك الواضح عليه، واحمرار وجهه الشديد، ولماذا يتجنب النظر إليه. لا يعرف
شادي بمَ يجيب، فيصمت.
"إيه يا ابني؟ أنت مش
راجل ولا إيه؟" قال الآخر. يغضب شادي قائلاً: "طبعاً راجل". يكمل الآخر بهدوء: "طيب فك بنطلونك واتعامل".
الآن:
يمر عامل البوفيه بعربته التي تحمل
المشروبات الساخنة والباردة وزجاجات المياه وبعض الحلوى. يطلب منه شادي كوباً من
الشاي، ويمسكه بين يديه يضغط عليه بقوة، محاولاً امتصاص أكبر قدر من الحرارة التي
قد تساعده على التخلص من تلك الرجفة التي بدأت تزداد حدتها مع مرور الوقت.
قبل الآن بثلاثة أيام:
ينهض شادي قائلاً له إنه سيبقى بالخارج حتى
يفرغ الآخر مما يفعله، لكن الآخر يمسكه من ذراعه طالباً منه البقاء بجواره، ويصر
على طلبه معللاً ذلك بأنه سيخبره بشيء هام. يسأله شادي مندهشاً: "أي شيء
هام؟". يجذبه الآخر من ذراعه ليجلس، فيجلس بجواره منتظراً هذا الشيء الذي شعر
شادي بأنه خطير. قال الآخر إنه يعرفه قبل لقائهما الأول، ويعرف كل شيء عنه. ينقبض
قلب شادي، ويستفسر مستغرباً عما يقصده بكلامه وعن أي شيء يتحدث.
أخبره الآخر بأنه يعرف أنه مثلي الجنس،
ويعرف قصته مع "عمرو" صديقه السابق. تندفع آلاف الأفكار في عقل شادي إلى
الدرجة التي يتوقف عندها العقل عن التفكير؛ إذ تصيبه تلك الحالة –التي لا يعرف
وصفها العلمي– عند ازدحام العقل بالأفكار وعند الخوف الشديد، حيث لا يصدر عنه أي
رد فعل تجاه الموقف الذي يمر به. يستغل الآخر هذه الحالة؛ يقف ويأخذه من يديه نحو
السرير، ويحتضنه. يحاول شادي دفعه، فلا يستطيع. يخبره الآخر وهو يلتهمه بأنه يحبه،
وبأنه لن يفضحه ولن يخبر أخاه الذي يعرفه جيداً. ترفرف فوق شادي أشباح الخوف
والرعب من الفضيحة؛ أصبح عقله مشلولاً، وجسده مسلوب الإرادة، وكأنه يقف بعيداً
يشاهد مشهد اغتصاب لجسد ليس بجسده. يفقد القدرة على المقاومة، فيقتحمه الآخر..
يبكي شادي –دون صوت– من الألم ومن الخوف، حتى ينتهي الآخر، فيتركه وينهض.
الآن:
ينهض من مقعده متجهاً إلى آخر العربة –تلك
المنطقة التي تقع بين العربات الفاصلة والتي لا يوجد فيها تكييف– حيث زادت حدة
الرعشة في جسده حتى خشي على قلبه من التوقف، متمنياً أن تنتقل الحرارة الشديدة في
تلك المنطقة إلى جسده البارد.
قبل الآن بيومين:
يرن جرس الهاتف المحمول؛ إنه الآخر. يجيب
عليه شادي طالباً منه أن يبتعد عنه، وأن يتركه في حاله وينساه للأبد. يضحك الآخر،
وتتغير لهجته، ويسقط القناع الذي كان يرتديه؛ إذ يوافق على طلبه مقابل أن يعطيه
مبلغ 5000 جنيه مقابل ابتعاده وصمته وعدم إخبار أهله بأنه مثلي الجنس. يغلق شادي
الهاتف دون أن يعلق على كلامه، ويبكي. يتصل الآخر مرة ثانية وثالثة فلا يجيب،
فيرسل إليه رسالة يهدده فيها بأنه سيأتي إلى بيته الآن إذا لم يرد. يجيب شادي على
اتصاله، فيُسمعه الآخر كلمات سباب وشتائم لم يسمعها من قبل، عقاباً له على إغلاق
الهاتف في وجهه. يصمت شادي، فيهدده الآخر إن لم يحضر له النقود خلال يومين، فسوف
يأتي إليه مصطحباً مجموعة من أصدقائه ليمارسوا الجنس معه، وإذا امتنع سيفضحونه
أمام أهله والجيران. يغلق شادي الهاتف تماماً وينهار، وتنهار الدنيا من حوله.
الآن:
ما زال واقفاً هناك في منطقة
"اللاتكييف"، وحيداً يبكي. يستعيد جسده الدفء قليلاً، فيلج إلى حمام
القطار ويغسل وجهه بالماء، ثم يخرج ويقف قليلاً متأكداً من أنه أصبح في حال أفضل.
يفتح باب العربة ليعود إلى مقعده مرة أخرى.
يرن هاتفه المحمول؛ إنه الآخر يتصل به.
ينسحب الدفء من جسده دفعة واحدة، ويرتجف، ويغضب من ذاته الضعيفة. يحاول التماسك
رغماً عن الارتعاشة التي تملكته؛ يقاوم، ويحاول تنفيذ الخطة المتفق عليها والتي
نصحه بها صديق عزيز –يعمل محامياً– بعدما حكى له تفاصيل المشكلة الواقع بها.
يتماسك ويرد عليه. يسأله الآخر عما إذا كان قد جهّز النقود ليحدد له مكان
المقابلة، فيخبره بأنه لم يجهز شيئاً. يحاول شادي أن يرسم القوة في صوته، غير آبهٍ
بمن حوله. يبدأ الآخر بالسباب والتهديد، فيحاول شادي أن يبدو غير مهتم، ويسعى لقلب
الموازين ضده، في الوقت الذي كاد قلبه يقفز من صدره لشدة ضرباته. يخبره بأنه حكى
الموضوع لصديق له "عقيد بالشرطة"، والذي طلب منه أن يأتي إليه ليحرر
بلاغاً بسرقة نقود كانت في درج المكتب أثناء زيارة الآخر له في البيت منذ ثلاثة
أيام.. وسيكون أي اتهام منه لشادي بالشذوذ مجرد وسيلة للدفاع عن النفس أو
للانتقام، ومجرد سباب يقال بين أي خصمين.
قال كل هذا الكلام وهو يكاد يتجمد من البرد
والرعشة، ولم يهتم بمن حوله وما هي انطباعاتهم عنه أو ماذا فهموا من كلامه. المهم
هو رد فعل الآخر، الذي أغلق الهاتف دون أي تعليق على ما قاله شادي. يبكي شادي بعد الانتهاء من المكالمة، ثم يتجه مرة أخرى سريعاً نحو
منطقة "اللاتكييف" باحثاً عن الدفء.

