https://www.google.com/contributor/welcome/?utm_source=publisher&utm_medium=banner&utm_campaign=pub-1092433220212569

02 June 2007

الفقر و الحياة .. قصة قصيرة

استيقظ من نوم عميق .. لم ينهض من السرير .. يداه خلف رأسه و عيناه تنظر إلى سماء غرفته .. تلك الغرفة البسيطة التي صممها بنفسه من قطع أساس بسيطة استطاع على مر الوقت أن يجعل منها غرفة ذات طابع خاص .. تعبر عنه و عن ميوله و لمساته الفنية .

يستعرض شريط حياته و تلك السنوات التي مرت من عمره .. هو الآن على مشارف نهاية العقد الثاني من حياته .. يشعر انه لم يحقق أي شيء مما كان يحلم به أيام الطفولة و المراهقة أو حتى بعد تخرجه من الجامعة .. يعرف أن هناك أسباب كثيرة حالت دون تحقيق تلك الأماني و لكن أهم تلك الأسباب ذلك الصديق الوفي الذي يأبى أن يفارقه ألا و هو الفقر .


نعم انه الفقر .. منذ نعومة أظافره كان الفقر حائلاً بينه و بين كل ما يتمناه .. بداية من أيام دراسته .. و عدم استطاعته الذهاب إلي دروس خصوصية و حاجته إلي شراء الملخصات و لكنه كان أقوي منكل تلك الظروف .. فقد كان مجتهد و كان يحاول ان يدخر ما يستطيع من عمله في الأجازات الصيفية .

و لكن بالتأكيد كانت تمر عليه أوقات صعبة .. كانت أولى هذه المواقف حينما جاء الأب بعد نهاية المرحلة الإعدادية و حاول إقناعه ألا يلتحق بالثانوية العامة اختصارا للمصروفات و أن يلتحق بالتعليم الفني , في تلك اللحظة شعر بخنجر يذبح فرحة نجاحه في الإعدادية بمجموع عالي و بكى كثيراً و وعد ألا يكون هناك مصروفات إضافية إذا التحق بالثانوي العام لأنه يتمنى أن يكمل تعليمه و يدخل الجامعة .


و بالفعل التحق بالتعليم الثانوي , و حاول على قدر المستطاع ألا يكون هناك مصروفات كثيرة و لم يشترك في الدروس الخصوصية , و بدأ يعمل أيام الأجازات ربما لتوفير بعد النقود لشراء بنطلون و قميص للعام الجديد و بعض الكتب الخارجية .. و أكمل الثانوية و حصل على مجموع عالي أيضا .. و لكن لم يلتحق بما كان يتمني من الكليات ليس بسبب المجموع و لكن لأن الكليات التي يتمناها بعيدة عن مدينته و بالطبع لن يستطيع توفير ما يكفيه من المصروفات لكي يستطيع أن يستمر في درا سته هناك , لذلك التحق بأقرب كليه لبيته .. و على الرغم من ذلك فقد كان يعاني , فعندما يكون الدخل محدود جداً تكون أقل المصروفات عبء كبير جداً .


و بعدما انهي درا سته الجامعية بدأ مشوار البحث عن عمل .. و زاد قرب الصديق الوفي له ألا و هو الفقر و زاد تأثيره عليه .. من أين له مثلا أن يأتي ببذلة لارتدائها عند عمل مقابلات شخصية و هو يستطيع بالكاد شراء قميص و بنطلون جديد مرة كل عام .. من أين يستطيع أن يجد سكن في مدينة أخري ليقيم بها لأنه يوجد بها فرص عمل أكثر لان مدينته لا يوجد بها فرص عمل .


من أين يستمر في البحث عن عمل و هذا البحث يكلفه الكثير من نقوده القليلة التي يمتلكها .. ربما كلمة إحباط هذه قليلة عما يوجد داخله .. استسلم للأمر الواقع و بدأ يبحث عما هو متاح حوله .. و بدأ يقبل أن يعمل أي عمل على أمل أن يأتي اليوم الذي تتغير فيه الحياة و يتحقق و لو حلم صغير مما يتمناه . و لكن حتى هذا العمل لا يكفيه أن يحيى حياة كريمة و لا أن يستقل بحياته بعيدا عن الأسرة .


ربما ذلك الإحساس الذي داخله بالإثم و انه يرتكب ذنب يمنعه من إرتكاب أي خطأ أخر .. ربما لأنه يريد أن يقول لربه ها أنا يا ربي لم اسرق , لم اخذ شيء ليس لي , لم أتلفظ بلفظ قد يجرح أحد , لم اكذب , لم اوقع بين الناس , لم افعل أي شيء قد يغضبك لأني قادر أن أتحكم في كل هذه الأشياء .. ها أنا يا إلاهي بكل المقاييس البشرية إنسان كامل .. و لكنك يا ربي لم تخلقنا كاملين فالكمال هو صفة من صفاتك أنت .. أما أنا فليس في إلا عيب واحد .. تعلمه أنت و أعلمه أنا .. فهل هذا يجعلني من الصالحين أو المقربين منك ؟؟


تقلب في الفراش و هو يتنهد و ما زال يفكر في صديقة الوفي و في أحلامه .. كان لديه الكثير و الكثير من الأحلام .. تمنى أن يعمل مذيع .. تمنى أن يعمل صحفي .. تمنى أن يعمل مهندس ديكور .. تمنى أن يعمل ممثل .. تمنى أن يعمل مصور .. تمنى أن يعمل مخرج .. تمنى أن يعمل في السياحة .. أحلام كثيرة و أمنيات أكثر و لكن الفقر كان كالصياد الذي يغتال كل الأحلام . ربما يقول البعض أن الموهبة هي أساس كل شىء و لكنه يجزم ان الموهبة وحدها لا تكفي في ظل وجود الفقر .


هو من ذلك النوع الذي يحسب كل خطوة من خطواته .. حتى عندما يفكر في الخروج فهو يحسب هل ما يمتلكه من نقود سوف يكفيه آم لا ... هل لو ذهب هو و احد الأصدقاء إلى مكان ما سوف يستطيع أن يدفع تكاليف ما سوف يتناولونه آم لا ؟؟ فهو لا يحب أن يكون عاله على أحد .. و حتى إن حدث و الأخر هو من دفع الحساب فان شعورراً بحزن و الإحراج الشديد يدفعه إلى ضرورة رد هذا في أقرب وقت ممكن ... قد يرجع هذا إلي أيام الطفولة , فمنذ صغره كان يخجل أن يطلب من أبيه مصروفه .. و كانت أمه تعرف هذا فكانت هي من يطلب من الأب .. و أوقات كثيرة كان الأب يثير مشكلة بسبب هذا و يقول لماذا هو لا يطلب مني .. و كان هذا يضع الابن في مشكلة .. فقد كان يذهب إليه يقف بين يديه عينيه في الأرض تخرج الكلمات من بين شفتيه بصعوبة طالباً المصروف الذي بالكاد يكفيه ثمن المواصلات , اوقاتاً كثيرة كان يبكي بعد هذا الموقف .


لم يفكر في طلب المساعدة من الآخرين حتى أقرب الناس له .. لعزة نفسه و لإعتقاده الأكيد ان أحد لا يساعد الأخر بغير مقابل .. و قد يختلف هذا المقابل من شخص لأخر .. عرض عليه الكثير من فرص جمع المال بطرق غير سويه لكنه رفض .. هو لا يبيع نفسه .. لم يتمنى أبداً أن يصبح إنسان غني في يوم من الأيام .. لم يتمني يوماً أن يمتلك سيارة مثلا و لا فيلا كبيرة أو قصرا .. كل ما يحلم به أن يستطيع أن يحيى حياه كريمة .. أن يخرج بدون أن يفكر كم سوف ينفق و كم لديه في جيوبه .. أن يستطيع شراء بعض الملابس دون الخوف من ثمنها .. ألا تصير النقود هي ما يحدد حياته و اختياراته .. فالنقود نعم مجرد وسيلة للحياة .. و لكن الفقر يحرمك من تلك الحياة .


نهض من السرير مسرعا ينفض عنه كل هذه الأفكار .. فليس هناك جديد في الحياة .. أسرع إلى الحمام ثم إلى المطبخ يعد الفطور و كوباً كبيراً من الشاي . و جلس أمام الكمبيوتر الذي اشتراه من نقوداً حصل عليها من معاش أبيه .. و دخل إلي عالمه الافتراضي .


8 comments:

Anonymous said...

hey kareem ,great story ,true and beleivable ,when you read it you just say "been there ,done that "keep on the great work man (";)

TheDon

قصاقيص said...

قصة واقعيه فعلا
احداثها حية وفصولها مكررة
واكيد بعد محاولات بطل القصه الكتير واحلامه المحبوسة وغيرها من الاحلام المحبوسة محدش يقدر يلومه لو في لحظه هرب من الواقع للعالم الافتراضي
...................
تحياتي ياكريم

Anonymous said...

تعرف ياكريم

زى ما العيون الصغيرة والشعر الناعم والوش المدور سمة يتصف بها اهل اليابان والصين وبعض الدول بشرق اسيا

والعيون الملونة وبياض البشرة يتصف بها اهل الغرب

اصبح اليوم وللاسف الفقر هو اكبر الصفات التى تلتصق بنا نحن شباب مصر
والصعوبة هى روتين حياتنا والفقر هو الوحش الية بنخاف منه
والمستقبل هو الشارع الطويل المظلم الذى لا نتمنى ان نمشيه ونحلم بأن نرا فيه نورا حتى ولو كان سراب

مش بطل القصة لوحده الية بيتكوى من الفقر احنا كتير اووووووووى
تحياتى على الاسلوب الرائع فى السرد

صديقتك المخلصة
نـــور الشمس

LORD.M.M said...

عزيزي كريم

كيف الحال ؟؟

عزيزي الكثير مما كتبت ينطبق على العديد من شباب اليوم ..
لكن ليس كل شباب اليوم قادرين على الابداع و الخروج من مأزق الفقر ..
الفقر مشكلة يجب ان يحلها الانسان بمفرده و ان يسعى دائما في ايجاد حل له لكن بتفكير خارج عن المألوف ..
كلنا نريد الحياة الرغيدة ..
الماضي له فائدة بان يعلمنا كيف نحافظ و نتقن التصرف في اموالنا المستقبلية

اتمنى ان تفكر خارج الصندوق ..و ستجد ان شاء الله فكرة تخرجك من فك الفقر

تحياتي

"Gay Boy" Weekly said...

قصة واقعية يعيشها كثير من الشباب، لكن الفرق بين شخص وآخر هو انو كيف شخص ما يكون مبدع ويطلع نفسه من الفقر اللي عاشه ويغير نوعية حياته، فعلا الطريق صعب مش سهل ابدا لكن المفروض انو الشخص يحاول دايما ويفكر بالطرق المناسبة لتحسين حياته

حزيــــــــــــــــــن said...

أشكرك على الانضمام الى تجمع المدونون المصريون واتمنى لك التوفيق وارجو منك الاسهام فى نشر التجمع بين المدونين الذين تتابعهم وتعلق عندهم

Anonymous said...

السلام عليكم
حبيب الروح
اعزائي الفقر بجد شيء صعب .
يعني الفقر يعد ابتلاء رباني.
بس ممكن نقلبة لفرحة.
ممكن اي شيء اذا بدنا نكبرة يكبر واذا بدنا نصغرة يصغر.
فالدنيا بلاء
لا صاحب الفلوس مرتاح ولا صاحب الفقر مرتاح
انما المرتاح ببساطة هو المقتنع بقسمتة ونصيبة
والله يرزق من يشاء ويعطي من يشاء وياخذ منمن يشاء
سبحانة لا اعتراض ع حكمة.
انشاء الله هرجع اقراء القصة واعلق بشكل اوضح
حبيت فقط اكتب الكم لاني اشتقتلكو وخصوصا للعزيز كريم
بتمنالك السعادة وكتير حبيت مدونتك لانها رائعة
السلام عليكم

hana said...

قصة واقعية اغلب الشباب بيعشها
الفرق بينهم أنه
فيه منهم من يستسلم للواقع وفيه بيحاول يغيرة وهو دة بداية
الطريق الصحيح

روووعة القصة
بالتوفيق يا كريم
هنااا

Post a Comment

اشكرك على إهتمامك وتعليقك .. والإختلاف في وجهات النظر شئ مقبولة ما دام بشكل محترم ومتحضر .. واعلم أن تعليقك يعبر عنك وعن شخصيتك .. فكل إناء بما فيه ينضح .