على الرغم من أنني
أخشى السفر عندما أكون مصاباً بالاكتئاب، ولكنني سمعت نصيحة
الصديق "ميدو" بالخروج وتغيير الجو العام. وبالفعل فقد قررت اليوم أن
أذهب لزيارة ميدو بالإسكندرية.
اتصلت بميدو لترتيب
اللقاء، وبالفعل خرجت بعد الغداء إلى محطة القطار، وحجزت في القطار
القادم وانتظرت على الرصيف تلفحني حرارة الجو الخانقة.. أخرجت روايتي الجديدة لأقرأ فيها، تجذبني تلك الشخصية الصعيدية وما
تمر به من مواقف الحياة، ولكن قطع هذا رنين الهاتف المحمول.. نظرت إلى
الهاتف وجدته رقماً وليس اسماً، فضغطت على مفتاح الإجابة وقلت: ألو.
أجاب الطرف الثاني: ألو.
عرفت الصوت، إنه
(تامر).. نسيت أني بالأمس، بعد صراع، قررت أن أمحو كل أرقامه من على هاتفي.
دوماً أضعف وأتصل به. صحيح أن مكالمتي تلك تكون قصيرة جداً؛ كلمات
قليلة مني (ألو) (أنت كويس؟)
(مش عايز حاجة؟)،
وكذلك إجابات أقصر منه (ألو) (الحمد لله) (لا شكراً)، وتنتهي المكالمات على هذه
الشاكلة. بالطبع هناك الكثير من الكلمات التي لا تستطيع الخروج، والتي تنتقم مني
بعد نهاية المكالمة وتعاقبني على عدم إخراجها في الحوار. لهذا قررت أن
أنهي الموضوع، وحتى لا يكون هناك مجال للضعف فقد محوت كل الأرقام الخاصة به..
علماً بأنني متأكد أني سأندم على فعلتي تلك، وأنني سأعاقب نفسي
لأنني قمت بذلك. ولكن في الحالتين فأنا أعاني، فما المانع من تجربة نوع جديد من
المعاناة وفي نفس الوقت أحفظ كرامتي وماء وجهي؟
نعود مرة ثانية
للحوار، وبعد "ألو" قال تامر:
- أنت فتحت ليه؟
- أنا آسف لم آخذ بالي. (لم أستطع قول أنني محوت أرقامه).
فترة صمت ثم قلت له:
- أنت كويس؟
- أيوة الحمد لله.
انتظرت أن تنتهي
المكالمة فإذا به يكمل:
- آه، أنا كنت عايز
أقول لك إني رحت لدكتور..
- (قاطعته)
أيوة عرفت.
- والحمد لله دلوقتي مشاكلي مع أهلي خلاص اتحلت.
- الحمد لله.
فترة صمت، ثم
النهايات التقليدية للحوار، وانتهت المكالمة. أغلقت الهاتف وكذلك الكتاب، وجلست
حائراً؛ تارة أجد ابتسامة فوق وجهي، وتارة يملؤه العبوس.. دار في عقلي: ما أهمية أن يخبرني بانتهاء مشاكله مع أهله؟ هل
تلك المشاكل كانت سبباً في ابتعاده عني؟ بالطبع لا.. جلست شارداً أفكر وأتمنى وأحلم وأتخيل... إلخ، حتى جاءت صفارة القطار،
نهضت أبحث عن العربة المدونة فوق تذكرتي، ودخلت أبحث عن رقم المقعد وجلست.
كان بجواري شاب ذو
ملامح جميلة، كان يقرأ إحدى الجرائد الرياضية. أخرجت روايتي وجلست أنا الآخر
أقرأ فيها. مرت الأحداث في الرواية، وكذلك مر الوقت في الواقع. أعتقد أن الشاب
الجالس بجواري أنهى القراءة وبدأ الانشغال في مشاهدة ما خارج القطار، وفجأة وجدت
الشاب يبحث عن شيء ما بجواره وتحت المقعد، فسألته:
- أنت ضايع منك حاجة؟
- الجريدة.
وجدها أسفل مقعده
ولكن أمام الركاب الجالسين خلفنا، التقطها وابتسم لي، وقابلت الابتسامة
بابتسامة، وعرض عليّ أن أقرأ الجريدة، فأجبته شاكراً بأنني بالفعل
أقرأ روايتي. أظهر الاهتمام بالرواية، فأعطيته نبذة عن أحداث
الرواية، وأنني أحب قراءة الروايات ولا أحب قراءة الجرائد.
سألته إن كان من
مستخدمي الإنترنت، أجاب أنه قليلاً ما يستخدمه، وآخر مرة كان يبحث عن تسجيل حلقة
"العاشرة مساءً" للقاء أحمد عز ومنى الشاذلي.. عبرت له عن حبي وإعجابي
الشديد بالمذيعة منى الشاذلي، وأنني لم أشاهد تلك الحلقة مع أحمد عز
ولكني قرأت عنها في إحدى المدونات، وأن ما يحدث هو نتيجة حتمية للرأسمالية
والخصخصة، ذلك المنهاج المتبع حالياً.. سألني: ما معنى مدونة؟ شرحت له المعنى ودور
المدونين العظيم ومجهوداتهم المعترف بها دولياً، وخصوصاً في مجالات حقوق الإنسان
والمجالات السياسية، وأنهم أصبحوا مركز صداع وقلق لكثير من السياسات، وأعطيته نموذجاً
من تلك المدونات مثل "الوعي المصري" لوائل عباس وتلك الفيديوهات التي
دائماً يفجر بها قضايا حقوقية ساخنة، وكثيراً من المدونات الأخرى.. بالطبع لم أذكر
له أي شيء عن مدونتي، ولكنه لم يغفل هذا وسألني إن كنت أملك مدونة؟ ترددت في الإجابة،
وقلت له نعم وسكت، ثم قلت اسمها: "يوميات كريم عزمي".
باقي الحديث كان
تقليدياً عن ماذا سأفعل في الإسكندرية ومتى سأعود، حتى وصلنا فسلمت عليه
وغادرت القطار لمقابلة الصديق العزيز ميدو، الذي رحب بي بشكل رائع وأشكره على كل
ما فعله من أجلي.. تمشينا على الكورنيش وتناولنا العشاء في مطعم رائع، وجلسنا في
إحدى الكافتيريات القريبة من البحر وذهبنا إلى بئر مسعود.. أعرف تلك العادة
التي يفعلها الكثيرون حيث يلقون بقطع النقود المعدنية بعد أن يتمنوا ما يشتهون من
الأمنيات.. ذهبت كثيراً قبل هذا إلى هذا البئر لكني لم أُلقِ إليه
بشيء.. ليس بخلاً.. وإنما عدم اعتقاد بما يحدث.. شجعني ميدو أن أفعل.. أخرجت حافظة
النقود، وللأسف لم أجد سوى قطعة معدنية بـ 10 قروش.. يا لهذا الحظ!.. دوماً كنت
أحتفظ بجنيهات معدنية -تلك العملة الجديدة التي أحبها- اقترحت أن أرمي عملة
ورقية.. بالطبع لا تصلح.. عموماً 10 قروش بقى وخلاص، يعني هو بجد؟.. أمسكت بالقطعة
المعدنية في يدي ورحت أفكر في الأمنية.. ماذا أتمنى؟ ماذا أتمنى؟ ذهبت كل الأمنيات
والأحلام وليس هناك غير شيء واحد.. يا لك من قلب عقيم!.. حاولت أن أبعد تلك
الأمنية التي يلح قلبي في أن أتمناها وأنا أحاول أن أستبدلها بغيرها.. ما المانع
أن أتمنى أن أصبح من أغنى الناس.. أي حاجة بقى غير الأمنية القلبية.. حتى هنا
الصراع والضعف موجودان هنا.. قال يعني هتحقق!.. خلاص خلاص زي ما أنت عايز أيها
القلب اللعين.. وتمنيت تلك الأمنية السخيفة وألقيت العملة.
بعد الساعة
الثانية صباحاً اتجهنا إلى محطة القطار للعودة، لم نجد سوى قطار عادي أو
كما يسمى "مميز" -يا سيدي هي الأسامي بتلزق؟!- دفعت
ثمن التذكرة وانتظرنا قدوم القطار المميز بأي شيء لا أعرف.. كان في اعتقادي أن
يكون القطار خالياً، وأنني سأبحث عن مكان يجلس به مجموعة من الناس ولا أجلس في
عربة خالية من الركاب.. هكذا نصحني الصديق العزيز ميدو.. وجاء القطار وإذا به ظلام
في ظلام، ولا شمعة حتى تنور الطريق.. ومفيش ولا كرسي فاضي.. أيوة كده الونس حلو
برضه.. اكتشفت بقى إن القطار العادي -قصدي المميز- فيه حجز.. بس مش الحجز اللي أعرفه
اللي بيبقى بمبلغ زيادة فوق التذكرة.. لا، ده حجز من نوع آخر.. حجز بالدراع ووضع
اليد أو الشنطة أو حتى كيس زبالة، واوعى وشك بقى ومحدش يقدر يتكلم.. ودول صعايدة
يا بوي وفتح مخك معايا!
لقيت باب طيب كده
وابن حلال وقفت جنبه في الهوا، أشاهد تارة الظلام بالخارج والظلام بالداخل، وأخذت أدندن
بأغنية معرفش مين بيغنيها:
"قوم ولع لك شمعة
وامسكها في إيديك وفي عيوني دمعة نورها مستنيك"
أعتذر إذا كان هناك
أخطاء في الأغنية الرائعة المناسبة للجو والمناخ العام المصاحب لعربات الدرجة
الثانية مميز.. حتى وصلنا محطة لم ألمح اسمها صراحة، لقيت ناس بتقوم
وبينزلوا.. فرحت قوي وجريت على أقرب كرسي.. قصدي 4 كراسي مرة واحدة.. أشكرك يا
رب.. جلست وأخذت راحتي على الآخر.. فرحان فرحان.. وبعدين بقى طلعت الموبايل قلت
أعاكس الناس الساعة 5 الصبح.. اشمعنى أنا صاحي؟!.. وكمان اتصل بماما أقول لها إني
في الطريق.
آه، نسيت أقول لكم إن
ميدو اتصل بيا وأنا واقف بغني "قوم ولع لك شمعة".. وشرحت له الموقف اللي
أنا فيه وبقى قلقان عليا، وكل شوية يتصل يطمن عليا. ووصلت الحمد لله فرحان بالجو
الجميل بتاع الصبح اللي بقالي كتير قوي مش شفته، وروحت البيت سعيد ومبسوط وكتبت
الكلام ده وهقوم أنام بقى.. تصبحوا على خير.






