11 July 2008

يا لكَ من قلبٍ عقيم!


على الرغم من أنني أخشى السفر عندما أكون مصاباً بالاكتئاب، ولكنني سمعت نصيحة الصديق "ميدو" بالخروج وتغيير الجو العام. وبالفعل فقد قررت اليوم أن أذهب لزيارة ميدو بالإسكندرية.

 

اتصلت بميدو لترتيب اللقاء، وبالفعل خرجت بعد الغداء إلى محطة القطار، وحجزت في القطار القادم وانتظرت على الرصيف تلفحني حرارة الجو الخانقة.. أخرجت روايتي الجديدة لأقرأ فيها، تجذبني تلك الشخصية الصعيدية وما تمر به من مواقف الحياة، ولكن قطع هذا رنين الهاتف المحمول.. نظرت إلى الهاتف وجدته رقماً وليس اسماً، فضغطت على مفتاح الإجابة وقلت: ألو. أجاب الطرف الثاني: ألو.

 

عرفت الصوت، إنه (تامر).. نسيت أني بالأمس، بعد صراع، قررت أن أمحو كل أرقامه من على هاتفي. دوماً أضعف وأتصل به. صحيح أن مكالمتي تلك تكون قصيرة جداً؛ كلمات قليلة مني (ألو) (أنت كويس؟) (مش عايز حاجة؟)، وكذلك إجابات أقصر منه (ألو) (الحمد لله) (لا شكراً)، وتنتهي المكالمات على هذه الشاكلة. بالطبع هناك الكثير من الكلمات التي لا تستطيع الخروج، والتي تنتقم مني بعد نهاية المكالمة وتعاقبني على عدم إخراجها في الحوار. لهذا قررت أن أنهي الموضوع، وحتى لا يكون هناك مجال للضعف فقد محوت كل الأرقام الخاصة به.. علماً بأنني متأكد أني سأندم على فعلتي تلك، وأنني سأعاقب نفسي لأنني قمت بذلك. ولكن في الحالتين فأنا أعاني، فما المانع من تجربة نوع جديد من المعاناة وفي نفس الوقت أحفظ كرامتي وماء وجهي؟

 

نعود مرة ثانية للحوار، وبعد "ألو" قال تامر:

  • أنت فتحت ليه؟
  • أنا آسف لم آخذ بالي. (لم أستطع قول أنني محوت أرقامه). فترة صمت ثم قلت له:
  • أنت كويس؟
  • أيوة الحمد لله.

انتظرت أن تنتهي المكالمة فإذا به يكمل:

  • آه، أنا كنت عايز أقول لك إني رحت لدكتور..
  • (قاطعته) أيوة عرفت.
  • والحمد لله دلوقتي مشاكلي مع أهلي خلاص اتحلت.
  • الحمد لله.

 

فترة صمت، ثم النهايات التقليدية للحوار، وانتهت المكالمة. أغلقت الهاتف وكذلك الكتاب، وجلست حائراً؛ تارة أجد ابتسامة فوق وجهي، وتارة يملؤه العبوس.. دار في عقلي: ما أهمية أن يخبرني بانتهاء مشاكله مع أهله؟ هل تلك المشاكل كانت سبباً في ابتعاده عني؟ بالطبع لا.. جلست شارداً أفكر وأتمنى وأحلم وأتخيل... إلخ، حتى جاءت صفارة القطار، نهضت أبحث عن العربة المدونة فوق تذكرتي، ودخلت أبحث عن رقم المقعد وجلست.

 

كان بجواري شاب ذو ملامح جميلة، كان يقرأ إحدى الجرائد الرياضية. أخرجت روايتي وجلست أنا الآخر أقرأ فيها. مرت الأحداث في الرواية، وكذلك مر الوقت في الواقع. أعتقد أن الشاب الجالس بجواري أنهى القراءة وبدأ الانشغال في مشاهدة ما خارج القطار، وفجأة وجدت الشاب يبحث عن شيء ما بجواره وتحت المقعد، فسألته:

  • أنت ضايع منك حاجة؟
  • الجريدة.

 

وجدها أسفل مقعده ولكن أمام الركاب الجالسين خلفنا، التقطها وابتسم لي، وقابلت الابتسامة بابتسامة، وعرض عليّ أن أقرأ الجريدة، فأجبته شاكراً بأنني بالفعل أقرأ روايتي. أظهر الاهتمام بالرواية، فأعطيته نبذة عن أحداث الرواية، وأنني أحب قراءة الروايات ولا أحب قراءة الجرائد.

 

سألته إن كان من مستخدمي الإنترنت، أجاب أنه قليلاً ما يستخدمه، وآخر مرة كان يبحث عن تسجيل حلقة "العاشرة مساءً" للقاء أحمد عز ومنى الشاذلي.. عبرت له عن حبي وإعجابي الشديد بالمذيعة منى الشاذلي، وأنني لم أشاهد تلك الحلقة مع أحمد عز ولكني قرأت عنها في إحدى المدونات، وأن ما يحدث هو نتيجة حتمية للرأسمالية والخصخصة، ذلك المنهاج المتبع حالياً.. سألني: ما معنى مدونة؟ شرحت له المعنى ودور المدونين العظيم ومجهوداتهم المعترف بها دولياً، وخصوصاً في مجالات حقوق الإنسان والمجالات السياسية، وأنهم أصبحوا مركز صداع وقلق لكثير من السياسات، وأعطيته نموذجاً من تلك المدونات مثل "الوعي المصري" لوائل عباس وتلك الفيديوهات التي دائماً يفجر بها قضايا حقوقية ساخنة، وكثيراً من المدونات الأخرى.. بالطبع لم أذكر له أي شيء عن مدونتي، ولكنه لم يغفل هذا وسألني إن كنت أملك مدونة؟ ترددت في الإجابة، وقلت له نعم وسكت، ثم قلت اسمها: "يوميات كريم عزمي".

 

باقي الحديث كان تقليدياً عن ماذا سأفعل في الإسكندرية ومتى سأعود، حتى وصلنا فسلمت عليه وغادرت القطار لمقابلة الصديق العزيز ميدو، الذي رحب بي بشكل رائع وأشكره على كل ما فعله من أجلي.. تمشينا على الكورنيش وتناولنا العشاء في مطعم رائع، وجلسنا في إحدى الكافتيريات القريبة من البحر وذهبنا إلى بئر مسعود.. أعرف تلك العادة التي يفعلها الكثيرون حيث يلقون بقطع النقود المعدنية بعد أن يتمنوا ما يشتهون من الأمنيات.. ذهبت كثيراً قبل هذا إلى هذا البئر لكني لم أُلقِ إليه بشيء.. ليس بخلاً.. وإنما عدم اعتقاد بما يحدث.. شجعني ميدو أن أفعل.. أخرجت حافظة النقود، وللأسف لم أجد سوى قطعة معدنية بـ 10 قروش.. يا لهذا الحظ!.. دوماً كنت أحتفظ بجنيهات معدنية -تلك العملة الجديدة التي أحبها- اقترحت أن أرمي عملة ورقية.. بالطبع لا تصلح.. عموماً 10 قروش بقى وخلاص، يعني هو بجد؟.. أمسكت بالقطعة المعدنية في يدي ورحت أفكر في الأمنية.. ماذا أتمنى؟ ماذا أتمنى؟ ذهبت كل الأمنيات والأحلام وليس هناك غير شيء واحد.. يا لك من قلب عقيم!.. حاولت أن أبعد تلك الأمنية التي يلح قلبي في أن أتمناها وأنا أحاول أن أستبدلها بغيرها.. ما المانع أن أتمنى أن أصبح من أغنى الناس.. أي حاجة بقى غير الأمنية القلبية.. حتى هنا الصراع والضعف موجودان هنا.. قال يعني هتحقق!.. خلاص خلاص زي ما أنت عايز أيها القلب اللعين.. وتمنيت تلك الأمنية السخيفة وألقيت العملة.

 

بعد الساعة الثانية صباحاً اتجهنا إلى محطة القطار للعودة، لم نجد سوى قطار عادي أو كما يسمى "مميز" -يا سيدي هي الأسامي بتلزق؟!- دفعت ثمن التذكرة وانتظرنا قدوم القطار المميز بأي شيء لا أعرف.. كان في اعتقادي أن يكون القطار خالياً، وأنني سأبحث عن مكان يجلس به مجموعة من الناس ولا أجلس في عربة خالية من الركاب.. هكذا نصحني الصديق العزيز ميدو.. وجاء القطار وإذا به ظلام في ظلام، ولا شمعة حتى تنور الطريق.. ومفيش ولا كرسي فاضي.. أيوة كده الونس حلو برضه.. اكتشفت بقى إن القطار العادي -قصدي المميز- فيه حجز.. بس مش الحجز اللي أعرفه اللي بيبقى بمبلغ زيادة فوق التذكرة.. لا، ده حجز من نوع آخر.. حجز بالدراع ووضع اليد أو الشنطة أو حتى كيس زبالة، واوعى وشك بقى ومحدش يقدر يتكلم.. ودول صعايدة يا بوي وفتح مخك معايا!

 

لقيت باب طيب كده وابن حلال وقفت جنبه في الهوا، أشاهد تارة الظلام بالخارج والظلام بالداخل، وأخذت أدندن بأغنية معرفش مين بيغنيها:

"قوم ولع لك شمعة وامسكها في إيديك وفي عيوني دمعة نورها مستنيك"

أعتذر إذا كان هناك أخطاء في الأغنية الرائعة المناسبة للجو والمناخ العام المصاحب لعربات الدرجة الثانية مميز.. حتى وصلنا محطة لم ألمح اسمها صراحة، لقيت ناس بتقوم وبينزلوا.. فرحت قوي وجريت على أقرب كرسي.. قصدي 4 كراسي مرة واحدة.. أشكرك يا رب.. جلست وأخذت راحتي على الآخر.. فرحان فرحان.. وبعدين بقى طلعت الموبايل قلت أعاكس الناس الساعة 5 الصبح.. اشمعنى أنا صاحي؟!.. وكمان اتصل بماما أقول لها إني في الطريق.

 

آه، نسيت أقول لكم إن ميدو اتصل بيا وأنا واقف بغني "قوم ولع لك شمعة".. وشرحت له الموقف اللي أنا فيه وبقى قلقان عليا، وكل شوية يتصل يطمن عليا. ووصلت الحمد لله فرحان بالجو الجميل بتاع الصبح اللي بقالي كتير قوي مش شفته، وروحت البيت سعيد ومبسوط وكتبت الكلام ده وهقوم أنام بقى.. تصبحوا على خير.


24 June 2008

محاولة لخداع القلب


فترة طويلة تمضي دون أن أكتب أي شيء هنا، تلك الحالة التي تنتابني دوماً عندما أخاف أن أعبّر عن مشاعري بصدق، فينقصف القلم رافضاً أن يخط بكلمة واحدة غير ما في داخلي.. حاولت أن أكتب ولكنني فشلت.

 

لم أعد قادراً أيضاً على القراءة؛ فمجموعة الكتب التي اشتريتها في الفترة الأخيرة لم أقرأ منها شيئاً حتى الآن. أفتح الكتب فتقف عيناي فوق الكلمات رافضة المضي، وحتى إن مضت، لم تعد عيناي قادرتين على نقل تلك الحروف إلى هذا العقل، أعتقد أن هناك مشكلة بينهما.. أو ربما هذا العقل يرفض التفكير في شيء آخر.

 

حتى تلك القدرة الرهيبة التي كنت أتمتع بها في الماضي والتي من أجلها أنشأت هذه المدونة.. عن النسيان أتحدث.. فقدت هذه القدرة التي كانت وسيلتي للتخلص من كل الآلام التي قد تصيبني.. بل زادت تلك القدرة بشكل عكسي وأصبحت تذكرني بأدق أدق التفاصيل.. أشعر برغبة جامحة في عمل (Shut down) لعقلي ولو لفترة قصيرة، وأن أوقف كل هذا السيل من الذكريات التي لا تزيدني إلا حزناً وشوقاً.

 

أحاول استخدام تلك القدرة المعكوسة للنسيان في تذكر كل ما هو سيئ، وكل تلك المواقف التي حدثت بيننا وسببت لي ألماً حتى أقضي على ذلك الشوق، أو بمعنى أدق أقضي على هذا الضعف.. حتى أنني قرأت رسالة (MMS) مئات المرات، تلك الرسالة المطولة التي أرسلها لي يشرح فيها أسباب الفراق.. ولكن كل تلك المحاولات تنهار سريعاً أمام السيل الجارف من ذكريات النوع الآخر.

 

أفكر في كل الطرق الممكنة للتخلص من هذا الضعف.. حتى أنني فكرت في تلك المقولة: "وداوِني بالتي كانت هي الداءُ".. ولكني أعتقد بأنني غير قادر على الدخول في أي تجربة أخرى الآن، لا أعتقد أنني قادر على إعطاء حب لأي إنسان.. أعتقد أن كل مشاعري استُنفِدت، وأن قلبي قد نحت له نهراً داخله وأصبح تعديل مسار هذا النهر صعباً.. ولكن ما العمل وكيف الخلاص من هذا العذاب؟

 

وفجأة، يرسل القدر شخصاً مهتماً بمعرفتي، يرسل لي الكثير من الإيميلات للحديث معي بعدما قرأ يومياتي كلها.. ليس مثليّ الجنس.. يقول إنه يشعر بما أعانيه.. يقول إننا متشابهان مع اختلاف التوجهات الجنسية.. تمنى أن يحمل عني هذا العذاب الذي بداخلي لأنه أقوى مني.. شكرته بالطبع.. تكلمت معه كثيراً، وجدته إنساناً طيباً يراعي مشاعر الآخرين، وحقاً شعرت أن هناك أشياء مشتركة بيننا تؤهلنا أن نصير أصدقاء.. وفجأة ظهرت في عقلي تلك الفكرة السابقة.. طلبت منه مساعدتي للتغلب على ما أعانيه.. وهو أن يهتم بي قليلاً، أو بمعنى آخر أن نجري سوياً تجربة خداع لهذا القلب الذي فقدت السيطرة عليه، ربما استطعنا أن نلهيه قليلاً عن هذا الطريق الذي يجري فيه.. اخترت هذا الصديق لأنه ليس مثليّ الجنس.. فلست قادراً على تحمل أي إحساس بالذنب تجاه شخص آخر مثلي ربما أدخل معه تلك التجربة فيحبني وتكون مشاعري نحوه غير صادقة.. لهذا اخترت هذا الصديق.. تفهّم هو الموقف ووافق على مساعدتي.. أشكره مرة ثانية.

 

أتمنى لتلك التجربة النجاح، وأن ينشغل هذا القلب بالصديق الجديد.. وأن ينسى التجربة السابقة.. وأعتقد أنني بعدها لن أبحث عن حب مرة ثانية.. فالكثير من أحلامي وأمنياتي في الحياة تغيرت.. فقط سأهتم بنفسي بعد الخروج من هذه المحنة.

 


26 May 2008

قطعة الشوكولاتة البيضاء


أصبح كريم جزءاً من هذا العالم الذي كان يخاف منه ويتجنبه طوال الوقت خوفاً من الناس، وبات يشعر الآن بالقوة أمام الآخرين، ويسعد كلما خاض تجربة احتكاك مع عالمه الجديد. بالطبع، هي مواقف صغيرة قد لا ينتبه لها الآخرون ولا يعيرونها أي اهتمام، ولكنه الوحيد القادر على رؤيتها والشعور بالفارق الضخم بين ما كان عليه سابقاً وما يمر به الآن. لم يعد يهتم برأي الناس فيه ولا كيف يرونه، فالمهم الآن هو ماذا يريد هو، وسعادته بإحساسه بالتغيير.

 

ولكن يبقى حبه لتامر الذي لم يعد يقوى على إخفائه.. لم يعد قادراً على تجنب هذه المشاعر، ولا هذا الحزن الذي يسببه له هذا الحب. لم يَعُد قادراً على تجاهل هذا الشوق في داخله والحنين إلى أن يكونا معاً. ولكن كيف يعبر عن هذا الحنين أو هذا الشوق ولمن؟ لم يعد تامر يحبه. صراع داخلي يمزقه بين شوقه لتامر وبين كرامته؛ فلا يستطيع أن يعبر عن شوق وحنين لشخص لم يعد يبادله الشعور، إذن فالحزن هنا مضاعف. ليست المشكلة شوقاً وحنيناً فحسب، بل هي أيضاً إحساس بالضعف ومهانة استجداء الحب.

 

حاول الخروج والجلوس في المقهى، ولكن كلما شرد ذهنه قليلاً، وجد عينيه تذرفان الدموع.. هرب من المقهى إلى الشارع.. كم يكره ضعفه هذا! كان يقول قبل ذلك إن الحب ليس ضعفاً، ولكنه الآن ضعيف. ماذا يفعل تجاه هذه المشاعر التي تجتاح كل ذرة في كيانه؟

 

اتصل بتامر، وبعد الحديث المعتاد والسؤال عن الأحوال، قال له كريم:

  • ممكن أطلب منك طلباً؟
  • أجل.
  • يا ليت لو قابلت أحداً مناسباً وأحببته وبدأت معه علاقة، عاهدني أن تخبرني.
  • حسناً، أعدك.

سكت كريم والألم يعتصر قلبه، ولكنه عاد يكمل حواره:

  • أنا أحبك.
  • حسناً.

 

مع نهاية المكالمة، كانت دموع كريم تسقط من عينيه، وبدأ يؤنب نفسه: ماذا كان ينتظر أن يسمع منه؟ هل كان يتوقع رداً مختلفاً؟ هل كان يرجو أن يقول له إنه يحبه؟ فموقفه واضح، وقد أخبره من قبل أنه لم يعد يحبه، مُتعلِّلاً ببعض الأسباب الواهية غير المقنعة.. لماذا كل هذا العذاب؟ هل يتعذب هو الآخر، أو حتى يفكر بك، أو يكترث لمشاعرك؟ إنه لا يهتم إلا بنفسه.

 

قرر كريم أن يبتعد عن تامر.. لن يقبل أن يصل إلى تلك الحالة التي وصل إليها د. ونيس، بطل رواية (العلم) بقلم فتحي إمبابي، وتلك الحالة التي آل إليها ونيس بعدما تركته حبيبته (سالمين) وتزوجت من رجل آخر.. لابد أن يمحوه من حياته ولو مؤقتاً حتى ينسى طعم شفتيه، ومذاق لعابه، ولمسة يديه، ودفء جسده.. كل شيء، كل شيء لابد أن يُمحى من ذاكرته. لن يستطيع التخلص من تلك المشاعر وهو يحوم حوله.. لابد أن يبتعد عنه وألا يفكر فيه.. فهو الآن كالمدمن، لابد أن يوقف تعاطي تلك المادة التي أدمنها حتى يستطيع التخلص من تأثيرها عليه.

 

مر يومان كان يتألم فيهما ويبكي طوال الوقت تقريباً.. حتى جاءه اتصال من صديقته (نونا) صاحبة أرق قلب. حكى لها عما يعانيه من ألم، كان صوته مخنوقاً وبالكاد تخرج الكلمات منه غير واضحة، والدموع تصاحب حروفه حتى انتهى من حديثه.

 

تحدثت نونا إليه طويلاً، وأسدت إليه الكثير من النصائح، وحاولت أن تخرجه من تلك الحالة، مبيّنة له أنه لن يستطيع أن ينسى تلك المشاعر في ساعات أو أيام، ولكن عليه أن يشغل تفكيره بشيء مختلف، وأن الحياة لن تنتهي بخروج تامر منها، وأن تامر ما زال صغيراً ولا يعرف قيمته.. وأنه لا يستحق "قطعة الشوكولاتة البيضاء" – تقصد كريماً – فهي دائماً تطلق عليه هذا التشبيه. ونصحت كريماً أن يذهب إلى الدكتور أوسم، الطبيب النفسي، حتى يخرج من حالة الاكتئاب التي يمر بها.

 

شعر كريم بالراحة بعد الحديث مع نونا.. كم تمنى لو كانت أقرب قليلاً، لو كانت تسكن المدينة نفسها ويلتقي بها كل يوم. لن يجد أحداً مثلها كصديقة له.. كم استفاد منها ومن شخصيتها الجميلة! هي من شجعته على القراءة وغيّرت الكثير في حياته.. يشعر حقاً أنها ليست من البشر.. مَن يعلم؟ ربما تكون أحد ملائكة الله على الأرض.

 

بعد مرور أربعة أيام من عدم اتصال كريم بتامر.. رن جرس الهاتف بتلك النغمة الخاصة، كاد كريم أن يبكي لولا أنه كان يستقل حافلة وقتها.. لم يعرف ما هو التصرف الصحيح؛ هل يجيب أم يتجاهل الاتصال؟ ومع تكرار رنين الهاتف، أجاب كريم قائلاً:

  • أهلاً، كيف حالك؟
  • الحمد لله، وأنت؟
  • الحمد لله، بخير.
  • ما بك؟ هل أنت مخاصمني؟
  • لا، ليس كذلك.. ولكنني أريد الابتعاد قليلاً.
  • امممم، عموماً براحتك.
  • لا، الأمر ليس من أجلك، بل من أجلي أنا.. أنا متعب حقاً.
  • حسناً.. سلام.
  • سلام.

 

لم يستطع كريم أن يحدد مشاعره بعد نهاية تلك المكالمة، لكنه طوال الطريق كان ينظر خارج النافذة.. امتلأت عيناه بدموع جاهد ألا تسقط؛ لم يكن يأبه لـِأن يراها الناس، ولكنه فقط لم يرد أن يبكي الآن.


17 May 2008

الخروج من الرحم


جلس في الكافتيريا المفضلة ومعه كتابه الجديد يقرأ وحيداً.. ليس هناك كثير من رواد الكافتيريا فما زال الوقت مبكراً.. تلفحه نسمات الهواء الباردة.. يشعر بسعادة غامرة، يستنشق ما تستطيع رئته من ذلك الهواء البارد المنعش.. يشعر بهذه الحالة منذ عدة أيام لدرجة أنه يشعر أن رئته اتسعت عن الماضي بكثير.. لم يعد يخاف من الإحساس بالبرودة، ذلك الإحساس الذي كان يسبب له الخوف والحزن.

 

يترك كتابه قليلاً لكي يشرب عصير الليمون.. ما ألذ طعمه! عصير ليمون بارد في هواء بارد ويشعر بسعادة.. كل هذه أشياء جديدة عليه.. كانت السعادة الناتجة عن إحساسه بالقوة التي اجتاحته بعد بداية المرحلة الجديدة، التي قرر بعدها أن يغير من شخصيته.. وجد أن قوة الإنسان تكمن في عينيه.. دوماً كان يشعر أنه مغمض العينين.. كان يخاف الناس ولا يجرؤ على النظر في عيونهم.. كان يشعر بأن عيون الآخرين قادرة على اختراقه وقراءة كل ما في داخله.. كان يمشي في الشارع لا يرى شيئاً.

 

لكنه دق طبول الحرب ضد باقي العيون.. أي عيون يصادفها: رجال، نساء، شباب، بنات، أطفال، كل العيون.. كانت عيناه في بداية الأمر ترسل أسهم الكراهية لهؤلاء البشر الذين عانى من خوفه منهم كثيراً.. نجح أن يهزم الكثير من العيون.. تلك العيون التي كان يهرب منها الآن يقهرها ويقهر الخوف داخله.. يملؤه إحساس بالانتصار وأنه صار قوياً لم يعد يخاف الناس، يشعر أنه أقوى الناس.. أصبحت الحرب هوايته المفضلة – النظر في عيون الناس – هناك عيون نوعاً ما قوية تصمد قليلاً ثم تبتعد، ولكن الغالبية العظمى تهرب سريعاً. يود أن يضحك ويصرخ من الفرح. ثم جاءت المرحلة التالية – مرحلة الاستقرار – لم يعد يهتم كثيراً بعيون الآخرين ولكنه أصبح مستعداً لأي مواجهة في أي وقت.. بدأ يبحث داخله عن كل مواطن القوة التي لم يكن يستخدمها.

 

رن جرس الموبايل.. إنه تامر.. وتلك النغمة الخاصة به. ترتسم ابتسامة عريضة على شفتيه ويظهر بريق في عينيه نتيجة تلك الدموع التي تداعب عينيه.. يشعر بالسعادة.. يتذكر ليلة أمس عندما اتصل بتامر وقال له إنه سعيد لأن ثمة تغييراً يطرأ عليه، وقال له إنه يشعر أنه قوي.. وأنه ما زال يحبه ولا يهمه إذا كان هو يحبه أم لا، وأن اعترافه له الآن ليس ضعفاً وإنما قوة، فهو يحبه ولكنه لا يحتاج إليه.

 

يحمل داخله رغبة منذ عدة أيام في أن يذهب لمكان مليء بالأشجار الخضراء.. يريد أن يستنشق أكبر قدر من الهواء النقي.. لديه إحساس أنه لم يستنشق هواء من قبل.. لم يعد يحب تلك الغرفة المغلقة المظلمة التي يقضي بها أطول وقت من حياته.. لا يعرف مكاناً بهذه المواصفات ولكنه لا بد أن يحقق هذه الرغبة.

 

جلس يفكر قليلاً في تامر وتلك التجربة التي أبداً لم تكن مثل أي تجربة سابقة.. مشاعره لم تنقص.. أصابه الحزن عندما قرر تامر الابتعاد عنه لسبب لم يفهمه.. فالسبب كان عملية رياضية فلسفية معقدة.. وهي أن واحداً زائد واحد يساوي اثنين.. هكذا يرى تامر، بينما يرى كريم أن واحداً زائد واحد يساوي واحداً.. يخاف تامر على حياته وشخصيته حيث يريد الاستقلال، لا يريد أن ينتمي لأحد أو أن يصير جزءاً من أحد.. كريم كان يرى أن حتى تلك العملية الحسابية "واحد زائد واحد يساوي اثنين" حقاً، ولكن حتى الرقم اثنين هو في النهاية رقم واحد وليس رقمين، أي إن عملية الجمع جعلت من الرقمين رقماً واحداً فقط.. وأنه لا يرى أي مشكلة في أن يصبح الحبيبان جزءاً من بعضهما أو أن يؤثر كلاهما في الآخر، ولكن تامر لم يقتنع بهذا.

 

المهم، بينما عقله يحاول تفسير العلاقة بينه وبين تامر وبين التغييرات التي طرأت عليه، تتضح أمامه فكرة أذهلته:

ما هو شعور الطفل لحظة ميلاده بعدما يقضي العديد من الشهور داخل رحم أمه؟ هل يشعر بالحزن والخوف لفراق هذا المكان الآمن الذي اعتاد عليه؟ هل يحزن حينما يلفظه الجسد الذي كان جزءاً منه؟ أيشعر الطفل بالرعب عندما يشعر أن هذا الجسد يلفظه بعيداً عنه لأنه لم يعد يحبه؟ هل يشعر الطفل بأن حياته ستنتهي بعدما يخرج من هذا الرحم الذي كان يعطيه الحب والحنان والحياة؟ هل يدرك الطفل بأن هذا الانفصال هو بداية حياته وليست نهايته؟

 

ما هذا؟ يشعر بالذهول لهذه الفكرة.. ما هذا التطابق بينه وبين ذلك الجنين لحظة خروجه للحياة؟ هل كان طوال حياته عبارة عن جنين؟ هل عاش طوال عمره يبحث عن رحم يحتضنه ويقدم له الحب والحنان والحياة؟

 

هل كان تامر ذلك الرحم؟ فهو أول إنسان يشعر كريم بحبه له، هل قبل تامر أن يقوم بهذا الدور الذي لم يستطع أحد من قبل القيام به؟ هل حقاً كانت العلاقة بينهما كعلاقة الجنين بأمه؟ حيث كان كريم يعيش داخل تامر كجنين ينمو ويكبر.. حتى حينما تعرض تامر لمشكلة لم يكن رد فعل كريم كدفاع عن حبيبه بل كان دفاعاً عن النفس.. كان يعيش المشكلة بآلامها معه.. فموت تامر معناه موته هو شخصياً.. هل حينما كان يقصد تامر أنهم اثنان وليسوا واحداً وكريم يصر على أنهم واحد وليسوا اثنين.. هل كان يشعر أنه جزء من تامر وأنه ما زال داخله يعيش تلك المرحلة؟ فالجنين في رحم أمه يعتبران شخصاً واحداً.. هل حينما قرر تامر أن يبتعد عن كريم كانت هذه هي لحظة الميلاد بالنسبة لكريم.. تلك اللحظة التي لفظ فيها تامر كريم إلى الحياة؟ بالطبع الطفل يبكي لحظة ميلاده ويتألم لانفصاله عن هذا الجسد الذي أمده بالحياة والحب. وهذا ما حدث مع كريم.

 

هل لهذا أصبح كريم قادراً على استنشاق الهواء بسعادة الآن؟ هل أصبح قادراً الآن على مواجهة الناس والنظر في عيونهم لأنه خرج إلى الحياة واستطاع أن يستعمل عيونه وأن يتخلص من هذا الغشاء الذي كان يمنعه من مشاهدة تلك الحياة التي كان يسمع أصواتها وهو في الرحم؟ هل لهذا لم تتغير مشاعره نحو تامر أو نحو الجسد الذي حمله داخله في رحمه؟ هل الآن أصبح الواحد اثنين؟

 

ما زال يشعر بالذهول لهذا التشابه والتطابق بين حالته وحالة الطفل لحظة الميلاد، ولكن كل ما يشعر به، أنه الآن وُلِد إلى الحياة ويشعر بسعادة غامرة.. أما بخصوص تامر فهو لن يستطيع الابتعاد عنه.. حتى لو تخلت الأم عن طفلها فسوف يحمل الطفل داخله إحساسه أنها سبب وجوده في الحياة وسوف يحبها ما دام يحيا. كذلك سوف يظل حبي لتامر.

 


25 April 2008

دموع .. فرح


قررتُ الخروج اليوم بسبب إحساسي الشديد بالضيق؛ فمنذ فترة طويلة لم أخرج. أعود كل يوم مرهقاً، فأتناول غدائي وأشعر بالخمول وعدم الرغبة في مغادرة المنزل. وعلى الرغم من ارتفاع درجة الحرارة في اليومين الماضيين، تلك التي تدفع الناس لمغادرة بيوتهم بحثاً عن نسمة هواء لا يجدونها في منازلهم، إلا أن هذا الجو الخانق الحار لم ينجح في إخراجي، بل على العكس؛ كنت أشعر ببرودة في جسدي. جسدي تغطيه قطرات العرق، ولكن تسري فيه تلك البرودة التي اعتادها في كل فترات الحزن والخوف، لا أدري كيف أتخلص من هذا الإحساس!

 

كثيراً ما أقرر الخروج وأتفق مع بعض الأصدقاء، ولكن في اللحظة الأخيرة أتصل بهم معتذراً عن عدم الحضور. ولكني اليوم تغلبت على هذه المشاعر، وخصوصاً بعد مشاهدة الفيلم التسجيلي "الفتنة" الذي أرفقه تامر مع موضوعه الأخير؛ إذ ازداد داخلي الإحساس بالاختناق.

 

اتصلت بصديقي المقرب فوجدته لم يخرج من بيته بعد، فاتجهت مباشرة إلى المقهى الذي أحب المكوث فيه. لم يكن لدي الرغبة في المشي والتجول في شوارع المدينة. كان الجو جميلاً اليوم، لكني كنت أشعر بالبرد.

 

جلست في مكان قريب من الشارع أراقب المارة تارة، وأنظر إلى السماء حالكة السواد الخالية من النجوم تارة أخرى. أحاول ألا أفكر في أي شيء، لكن تامراً وصورته وعلاقتي به تظهر في الأفق. أخرجت الهاتف المحمول من جيبي لأقرأ رسائله لي. ما زلت أقلب في رسائله حتى وجدت رمزاً يشير إلى أن هناك اتصالاً مفتوحاً، وضعت الهاتف فوق أذني وفعلًا وجدت تامراً هناك، فابتسمت للصدفة. اعتذرت له لأنني لم أسمع رنين الهاتف. كانت المكالمة قصيرة جداً وخالية من أي مشاعر. أشعر به حزيناً، وأشعر به بعيداً. حاولت طرد كل تلك الأفكار وأغلقت الهاتف.

 

جاء النادل الذي رحب بي وعبّر عن امتنانه لرؤيتي بعد تلك الفترة من الغياب، شكرته وطلبت منه فنجان قهوة. ومرة أخرى عاد عقلي الذي لا يكف عن التفكير؛ إذ ظهرت شخصيات رواية (نون) التي أقرأها هذه الأيام في مخيلتي. كم أتمنى أن يكون لي مجموعة من الأصدقاء مثل سارة، ودنيا، ونورا، وحسام – أبطال تلك الرواية التي لم أنتهِ منها بعد. أعتقد أن "نونا" أختي وصديقتي العزيزة قريبة الشبه من سارة بطلة الرواية. لكن للأسف، تفصلني عنها مسافات كبيرة جداً، فلا نستطيع أن نصير بمثل هذا القرب الذي بين الأصدقاء في تلك الرواية. انتقل عقلي للتفكير في نونا؛ لا أدري لماذا اختفت فجأة هكذا من حياتي! أعتقد أنها نفذت ما قالته لي سابقاً بأنها سوف تهتم بنفسها لأنها أهملتها كثيراً واهتمت بكل من حولها إلا نفسها، وخصوصاً بعد تلك التجربة العاطفية الفاشلة التي مرت بها. حقاً أفتقدها وأفتقد صوتها الطفولي البريء. كم أحببتها، وكم تمنيت أن أقبلها على خدها عندما كنت ألقاها. كل ما أتمناه الآن أن تكون بخير، فهي تستحق السعادة، صاحبة أطيب قلب عرفته.

 

انتهيت من تناول قهوتي قبل أن يصل صديقي بقليل. غادرنا المقهى سوياً حيث أخبرني أن الكثير من الأصدقاء مجتمعون في قاعة أفراح، حيث يُقام زفاف أحد أقارب صديق لنا. وصلنا إلى قاعة الأفراح ووجدنا الأصدقاء هناك، ولكن لم يكن العروسان قد وصلا بعد. سلمنا على كل الجالسين، وعاتبني الكثير منهم على اختفائي وعدم سؤالي عنهم. لم أشأ الدخول في مناقشات طويلة؛ فكيف لك أن تلوم إنساناً على عدم اهتمامه بك وأنت في الأصل لا تهتم به؟ اخترت مكاناً بعيداً قليلاً، حيث لم أكن أود المشاركة في الحوار الدائر بين الأصدقاء.

 

كانت القاعة مليئة بالناس الذين جاؤوا للاحتفال بالعروسين، والمكان المخصص لجلوسهما – الكوشة – محاط بباقات الزهور وتلك الأنوار الدقيقة مختلفة الألوان. راودني حلم أن يكون هذا الاحتفال لي أنا وتامر. شعرت بالأسى مرة ثانية، وطردت التفكير من عقلي. وصلتني رسالة على الهاتف، إنها من تامر، يخبرني فيها أنه يشعر بالحزن بعد مشاهدة الفيلم الهولندي (الفتنة) وينصحني بمشاهدته وإبعاد طفلي عن الكمبيوتر عند مشاهدته. كتبت له رسالة وأخبرته أني قد شاهدته بالفعل قبل الخروج، وأني أحبه.

 

التفتُّ قليلاً للأصدقاء؛ كانوا يتحدثون ولكن لم أكن أسمع أي شيء مما يقال، فقط وجوه وشفاه تتحرك. ولكن بدأت أنجذب لشيء آخر؛ إنها أغنية (أد الحروف) لأصالة. وجدتني أنفصل عن كل ما يحيط بي، وأفكر: هل مشاعر تامر نحوي غير مستقرة أو متذبذبة؟ أوقاتاً أجده يعشقني لأقصى الحدود، وأوقاتاً أخرى أشعر بأنه بعيد عني، مثل اليوم. أتلمس له الكثير من الأعذار، فمن الطبيعي أن المشاعر الإنسانية غير مستقرة، فالظروف المحيطة بالإنسان تؤثر سلباً وإيجاباً على مشاعره. تامر إنسان رائع، وحقاً هو ما كنت أحلم به، أو كما يقولون في الغرب  "The One" .  تجذبني كلمات الأغنية مرة أخرى:

ليه القمر غالي عليا؟

يمكن عشان في نوره وبُعده فيه حاجة منك

ليه الشتا في قلبي حزين؟

يمكن عشان في برده وقسوته فيه حاجة منك

ليه السحاب بعشق بياضه؟

يمكن عشان زي قلبي في قربي منك

ليه المطر يصعب عليا؟

يمكن عشان زي دمعي في بعدي عنك

 

بعد سماع تلك الكلمات لم أفق إلا على يد صديقي المقرب وهو يربت على يدي قائلاً: "مالك؟"، أجبت مسرعاً: "مفيش". وقفتُ مسرعاً متجهاً بخطوات سريعة إلى الحمام، مدارياً دموعي ووجهي عن الجميع؛ تلك الدموع التي تساقطت رغماً عني. غسلت وجهي بالماء فهدأت قليلاً، وعدت مرة أخرى إلى داخل القاعة حيث الأصدقاء. كان العروسان قد وصلا، وبدأت مظاهر الاحتفال والأغاني الصاخبة. حاولت أن أندمج مع الأصدقاء وأن أبدو فرحاً.


24 April 2008

زئير صامت لأسد عجوز


لا أدري ماذا يحدث لي.. فترة كبيرة مرت حتى الآن وأنا غير قادر على الكتابة.. أصبحت غير قادر على الإمساك بتلك الأفكار التي تراودني بين الحين والآخر؛ تظهر وتداعب عقلي ولكن عقلي يتباطأ عن الإمساك بها -لا أعرف هل يفعل هذا قاصداً أم بدون وعي- فتطير سريعاً وتحلق بعيداً عنه، فتصيبني حالة من الضيق.. أشعر بأن عقلي أصبح مثل الأسد العجوز الذي فقد كل أسنانه.

 

أحاول جاهداً التوصل إلى أسباب تلك الحالة ولكني أجد أسباباً كثيرة، تداخلت وتشابكت كي تحجب عقلي وتبعده بعيداً في تلك الحجرة المظلمة حيث لا يستطيع تمييز أي شيء مما حوله، لا يوجد هناك شيء سوى الإحساس باللزوجة والعفن، لا أستطيع أن أحيا في تلك الحالة من عدم الوضوح.

 

أحاول التوصل لماهية الأسباب فوجدتها تتنوع وتختلف ولكنها في النهاية تتشكل في هيئة قيود وأثقال!

 

تتنوع أشكال تلك القيود ما بين القيود النفسية والاجتماعية والأمنية، اجتمعت كلها في انسجام وتوافق ضد عقلي لتمنعه من اللحاق بأي أفكار كي يقتنصها، اجتمعت كي تجره إلى تلك الحجرة اللزجة التي أكرهها.

 

بدأت تلك الحالة منذ كتابة قصة "صوت عصفور لا يشبههم"، تلك القصة التي عبرت عن مشكلة أحياها في الواقع، واخترت ذلك الشكل غير المباشر كنتيجة لبعض القيود والأثقال التي زادت مع مضي الوقت، من بعدها لم أستطع الكتابة أو التعبير عما يدور بداخلي من أفكار أو هموم أو أي فكرة أخرى.

 

ربما إحساسي بالذنب تجاه من أحب بعدما تعرض لمشكلة ما وحاولت أن أساعده وأدافع عنه، فخرجت محاولاتي في شكل نيران صديقة أصابته هو، فالخوف الذي أصابني والذعر الذي تملك كل ذرة مني خوفاً عليه أفقدني كل قواعد المنطق، فكانت محاولاتي لإنقاذه ذات نتائج عكسية أضرت به وألحقت به الأذى بدلاً من إنقاذه.

 

أعرف أنه سامحني وتفهم موقفي، ولكن هل أنا سامحت نفسي؟

 

أشعر كأنني كالجندي في المعركة الذي أصاب صديقه بطلقة من بندقيته فأصبح غير قادر على إطلاق أي طلقات أخرى حتى في اتجاه العدو، فجلس يشاهد صديقه المجروح غير آبهٍ بما يدور حوله في المعركة.

 

ربما من القيود والأثقال الأخرى هي المشكلات العامة التي يعاني منها المجتمع المصري الآن من فقر وارتفاع في الأسعار وقمع ومهانة وذل، وإحساسي بأنني غير قادر على الخوض في تلك الأمور خوفاً وحرصاً. فالكل يعرف الآن أن الإنترنت والعالم الافتراضي الجميل الذي كنا نحلق فيه بعيداً عن هموم الواقع أصبح غير آمن، بل إن هناك قوى تدعو إلى تقييد هذه المساحة الضيقة من الحرية وفرض الرقابة عليها، حيث لن يصبح هناك مكان أو متنفس نحيا به بعيداً عن واقعنا المرير.

 

لا أعرف كيف أو متى سيتخلص عقلي من تلك القيود والأثقال التي تعوقه عن الكتابة، وأن يخرج من تلك الحجرة المظلمة، ولكني أتمنى أن يكون هذا قريباً.


Popular Posts