25 March 2008

حبك داخلي أبداً لن يموت



أشعر بهاتفي حزيناً

يعتقد أنه مريضٌ وأنه السبب في فقدان رناتك

يقول لي إنه يفتقد صوتك الدافئ

وتلك اللهجة الحادة في حوارك

التي تخفي بها عواطفك

خجلاً وخوفاً

لكنه كان قادراً على فهم حقيقة مشاعرك

يقول لي إنه يشتاق إليك

حتى الجماد يشتاق إليك

فما هو حالي أنا؟

 

لستُ قادراً على النوم

تجتاحني ذكرياتي معك

أتذكر كلماتك لي

أبتسم حينما أتذكر سعادتنا سوياً

أحزن حينما أتذكر ما نحن به الآن

 

اشتاق إليك حبيبي

أشتاق لحضنك الدافئ

عندما كنت تعتصرني بذراعيك

أشتاق ليديك الناعمتين

عندما كانتا تستكشفان خلجات جسدي

أشتاق لقبلاتك الساخنة

عندما كانت تذوب شفتاك بين شفتيّ

أشتاق للسانك الذي

عبّر عن عشقه لي بدون كلمات

أشتاق لعينيك الساحرتين

ونظرة الخجل التي لا أملك أمامها

إلا أن أضم رأسك لصدري

 

لا أدري كيف حالك الآن

هل تفكر فيّ وأنت هناك؟

هل زاد الحزن داخلك وفقدت الأمل؟

هل تتمنى لقائي؟

 

هل يحاولون الآن محوي من داخلك؟

هل استطاعوا أن يخرجوني من قلبك؟

أم ما زالت ذكرياتي تعيش هناك؟

وقلبك ينبض باسمي؟

 

هل ستنساني؟

هل تستطيع حقاً أن تنساني؟

 

هل سيحترق حبك لي هناك؟

أم ستعود لي مثل إبراهيم؟

وستكون النار التي حولك برداً وسلاماً

 

هل سيغرق حبك لي في هذا الطوفان؟

أم ستكون كالحوت؟

ويعود حبنا سالماً مثلما عاد يونس

 

كن كإبراهيم، كن كالحوت

فحبك داخلي أبداً لن يموت

 

لو كان الزواج مشروعاً هنا

لتزوجتك

لو كنتُ "سوبرمان"

لارتفعتُ إلى نافذتك

لو كنتُ قائد جيشٍ

لدققتُ طبول الحرب

وبدأتُ حروب طروادة من جديد

وحررتُك

 

ستظل داخلي

يا جزءاً مني

يا كل حياتي

يا هدية السماء لي

يا أول من أحبني

ويا أول من عشقت

لن أنساك، حتى لو نسيتني 


بحبك يا تامر





04 March 2008

خمسون جنيهاً من مصر


فتحت باب الغرفة ودخلت عليهما.. كان مشغولاً مع الطفل الصغير ذي السنوات الخمس يقرأ له إحدى القصص، فقالت:

  • عاوزة 20 جنية منك.
  • يا ماما أنا اشتريت بنطلون جديد ويا دوب الفلوس اللي باقية تكفيني مصروف باقي الشهر، ده أنا ممكن أحتاج أستلف منك على آخر الشهر!
  • تستلف مني؟ أنت المفروض تديني مش تاخد مني!

 

لم يجبها.. فانصرفت إلى المطبخ. صمت قليلاً وداخله إحساس بالحزن؛ كم تمنى أن يصبح ميسور الحال.. ليس غنياً، فلم يكن الغنى من أحلامه، كل ما تمناه أن يصبح ميسور الحال، أو بمعنى آخر: لم يتمنَّ أبداً أن يكون فقيراً.. إنه يكره الفقر. طرد هذه الأفكار وبدأ يستكمل قراءة القصة للطفل الذي بادره بالسؤال:

  • مين بيديلك فلوس في الشغل؟ فكر في إجابة يستطيع عقل الطفل أن يستوعبها، قائلاً: الحكومة يا حبيبي.
  • يعني الضابط اللي بيديلك فلوس؟

ابتسم قائلاً: لأ يا حبيبي، الحكومة مش يعني الضابط. حاول أن يصل لشيء يفهمه الطفل: أنا قصدي مصر.. مصر هي اللي بتديني فلوس، وبتدي للضابط ولكل الناس اللي بتشتغل.

  • طيب هي بتديلك فلوس شوية صغنين؟
  • أيوة يا حبيبي للأسف.
  • طيب قولها تديلك كتير.
  • قولتلها يا حبيبي بس مارضيتش.
  • أقولها أنا؟

ضحك بصوت عالٍ.. يعجبه منطق الأطفال وعالمهم، ثم أجابه: لأ يا حبيبي مش هترضى.

  • هي مصر دي ولد ولا بنت؟
  • مصر دي مش بني آدم. فكر الطفل قليلاً حيث بدا عليه عدم الاستيعاب، ثم سأل: هي كبيرة وبتلبس حديد؟
  • (ضاحكاً) أيوة يا حبيبي كبيرة قوي بس مش بتلبس حديد.
  • أنت بتخاف منها؟
  • لأ يا حبيبي مش بخاف منها.. مصر دي الأرض اللي إحنا عايشين عليها.. يعني بلدنا.

 

سكت الطفل قليلاً ثم عاود السؤال:

  • لما أكبر مصر هتديلي فلوس؟
  • أيوة يا حبيبي، بس لازم تبقى شاطر في المدرسة، وتعمل كل واجباتك، وتسمع كلام المس في المدرسة كويس وتبقى مركز معاها.
  • أنا شاطر وبعمل كل الواجب.
  • برافو عليك يا حبيبي.
  • لما أكبر مصر هتديلي فلوس كتير ولا صغنين زيك؟
  • بص.. أنت ابقى شاطر وادخل كلية الطب علشان تبقى دكتور، وهي تديلك فلوس كتير.

 

على الرغم من أنه يعلم أن الأطباء أصبحوا الآن من محدودي الدخل أيضاً، إلا أنه لا يستطيع توضيح هذا للطفل.. أراد حقاً أن يوضح له أن لعب الكرة والغناء والرقص هي أهم المهن التي تدر دخلاً عالياً هذه الأيام، ولكن كيف له أن يصدم الطفل بهذا الواقع المرير! سأله الطفل من جديد:

  • أنت بتكلم مصر إزاي؟
  • ببعتلها جواب.. لما تبقى شاطر في المدرسة وتدخل كلية الطب وتخلص، هتلاقي مصر بعتتلك جواب فيه فلوس كتير.
  • طيب أنا هبقى شاطر، ولما مصر تبعتلي فلوس كتير أنا هديلك فلوس كتير.. (فكر الطفل في رقم كبير) هديلك 50 جنية!

 

ضحك قائلاً: ربنا يخليك ليا يا قلبي، بس لحد ما تكبر أنا عاوز حضن كبير قوي دلوقتي. ثم أخذه في حضنه وقبله.


02 March 2008

عن التفاح الأخضر والمثليين


أثبتت التجارب المعملية فشل زراعة شجر التفاح الأخضر في البلدان العربية مقارنة بزراعة شجر التفاح الأحمر الذي أحرز نجاحاً باهراً هنا.


جاءت هذه النتائج بعد إجراء بحث ميداني على 156 شجيرة من التفاح الأخضر، حيث تم إجراء تجربة زراعتها في الصحراء الشرقية؛ حيث التربة الرملية الصحراوية، وحيث لا وجود لمياه النيل، مع ندرة الأمطار، وانعدام المياه الجوفية والرياح الشديدة.


والغريب أن 7  شجيرات فقط من أصل 156 شجيرة صمدت لفترة أطول من باقي الشجيرات، أما بقيتها فلم تستطع الصمود أمام الرياح والجفاف، وبعد قرابة شهرين، هلكت الشجيرات السبع ولم تستطع البقاء.

 

في حين أثبتت شجيرات التفاح الأحمر نجاحاً باهراً؛ إذ تم إجراء التجربة على 100 شجيرة من التفاح الأحمر، وزُرعت في الدلتا حيث التربة الخصبة ومياه النيل الوفيرة، ووجود الرعاية من المشرفين على التجربة، مع عدم وجود رياح شديدة قد تضر بالشجيرات.


وكانت النتائج مبهرة، فقد نمت حوالي 70 شجيرة وأصبحت أشجاراً مثمرة، في حين أن النسبة القليلة الباقية لم تنجح في النمو وتلفت لأسباب غير مهمة.

 

من كل هذا نستطيع أن نستخلص حقيقة هامّة، وهي أن شجر التفاح الأخضر غير صالح للنمو في البلدان العربية، بينما نسبة نجاح التفاح الأحمر مرتفعة جداً، كذلك فإن التفاح الأخضر ليس لذيذ الطعم بينما التفاح الأحمر شهي ولذيذ، لذلك ننصحكم بزراعة التفاح الأحمر.

 

ما رأيكم في هذا البحث العلمي ونتائجه؟ وما مدى مصداقية هذه النتيجة؟ هل حقاً ستزرعون التفاح الأحمر فقط معتمدين على هذا البحث؟ ومصدقين أن التفاح الأخضر غير صالح للزراعة هنا؟

 

أسمع ضحكاتكم! كيف لي أن أُجري بحثاً ومقارنة بين شيئين متناسياً كل الظروف المحيطة؟ كيف لي أن أقارن بين الزراعة في أجواء غير مناسبة حيث التربة الصحراوية وندرة المياه والرياح الشديدة، وبين التربة الخصبة والماء الوفير والرعاية المطلوبة؟ فمثلاً، حينما أود المقارنة بين نمو شجيرات التفاح الأخضر وشجيرات التفاح الأحمر، لابد أن أوفر المناخ المحيط نفسه والظروف البيئية ذاتها، حتى أستطيع أن أتوصل إلى نتيجة بحث صادقة عن مدى صلاحية زراعة التفاح الأخضر في البلدان العربية. حتى لو لم أكن من محبي التفاح الأخضر، لابد أن أكون موضوعياً وصادقاً في تجربتي وبحثي والنتيجة التي توصلت إليها.

 

ولكن أعتقد أنني لست الوحيد الذي يخطئ ويقع في مثل هذه الأخطاء الجوهرية عند عمل مقارنة ودراسة أو بحث؛ فقد قرأت عن بحث أُجري على مجموعة من مثليي الجنس، يثبت أن العلاقات بين المثليين فاشلة وغير قابلة للاستمرار مقارنة بالعلاقات القائمة بين المغايرين.


وأتساءل: هل أخذ الباحث في الاعتبار الظروف المحيطة بالعلاقة؟ أم أهملها؟ بالضبط كما أهملت أنا الفرق بين البيئة الصحراوية والبيئة الزراعية، والفرق بين توافر المياه وانعدامها؟

 

كيف له أن يهمل كل العوامل المحيطة التي تساعد على إنجاح العلاقة بين المغايرين، مقابل العوامل التي تحث على فشل العلاقة بين المثليين؟ فموافقة الأهل ومباركتهم للعلاقة بين المغايرين، وتقبل المجتمع للزواج بينهم، ومساعدة الناس والأهل والجيران في تأسيس بيت الزوجية، وحتى الفرح وليلة الزفاف وإعلان الارتباط في هذا الجو السعيد؛ كل هذه عوامل تساعد على إنجاح العلاقة. حتى بعد مرور الوقت وظهور مشاكل بين الطرفين، يتدخل الأهل أو المقربون ليدفعوا الطرفين للصلح. أليست كل هذه الظروف المحيطة تساعد على استمرار العلاقة بين المغايرين؟ وهل توجد هذه الظروف عند المثليين؟

 

بالطبع لا توجد، بل كل ما يوجد هو عوامل تساعد على إنهاء العلاقات بينهم: فعدم تقبل المجتمع لهذا النوع من العلاقات، ووجود رواسب داخلية لدى المثليين بأن ما يفعلونه خطأ وحرام وغير شرعي، وكذلك نظرة الدين، والخوف من افتضاح أمرهم، والحذر الشديد في التعامل أمام الناس، وعدم تدخل أي طرف للصلح بين الحبيبين إذا حدثت مشكلة بينهما.. أليست كل هذه عوامل تعجل بعدم استمرار العلاقة بين المثليين؟

 

هيئوا الظروف المناسبة لنمو العلاقة بين المثليين -تلك الظروف التي تتوفر في زواج المغايرين- ودعونا نرى ماذا سيحدث، ودعونا نُجرِ تجاربنا حول مدى مصداقية وجود الحب وطول استمرار العلاقة بينهم. أرجو من الباحثين والعلماء اتخاذ كل الأسس والقواعد السليمة في أبحاثهم، ومراعاة الموضوعية في نتائجهم، حتى لو لم تكونوا من محبي التفاح الأخضر.. أقصد المثليين.

 



11 February 2008

من اليوم.. سأكون مطراً لا سيلاً


في الوقت الذي كنت أعاني فيه من الحزن والوحدة، والإحساس بمرارة التجربة الفاشلة مع "تامر"، وبينما كنت أتصفح بعض مدونات الأصدقاء وأقرأ كتاباتهم، فجأة اتضح أمامي شيء هام جداً: إنه التشابه بين السيول، والأمطار، والحب!

 

السيول -كما نعرف- عبارة عن قطرات من الماء تنهمر من السحب في السماء وتسقط على الأرض، وعلى الرغم من أهمية الماء للحياة، إلا أن السيول تكون خطيرة وتثير الرعب في قلوب البشر؛ إذ قد تؤدي إلى كوارث طبيعية، من انجراف الأراضي والمحاصيل الزراعية، وانهيار السدود وبعض المباني كالبيوت والمنشآت، وقد تؤدي كذلك إلى موت العديد من البشر.

 

أما الأمطار، وعلى الرغم من التشابه الكبير بينها وبين السيول في كون مصدرهما واحداً وهي السحب الكائنة في السماء، وكذلك في طبيعتهما التي تتشكل من قطرات الماء المتساقطة على سطح الأرض، وعلى الرغم من أن الاختلاف الوحيد بينهما هو الاختلاف في الكمّ (فالأمطار أقل حجماً وغزارة من السيول)، إلا أن هذا الاختلاف في الكم يجعل من السيول شيئاً سلبياً مثيراً للرعب، ويجعل من الأمطار شيئاً إيجابياً مفيداً لإنعاش الحياة واستمرارها، وإكساب الدنيا ثوباً جديداً نظيفاً تلمحه بعد سقوطها؛ حيث الهواء النقي المغسول من الأتربة والأدخنة، وتلك البيوت والشوارع التي غسلتها قطرات المطر اللطيفة. فالأمطار مفيدة جداً للطبيعة وللحياة، وتثير في نفوس البشر السعادة والفرحة.

 

أما الحب، فهو تلك المشاعر التي تسكن القلوب وتكمن في صدور البشر؛ تلك المشاعر التي تنهمر من بعض الأشخاص تجاه آخرين، والتي تختلف طبيعتها وتتعدد أشكالها كالإهتمام، والرعاية، والسؤال عن الآخر، والتفكير به، وكلمات الحب والنظرات واللمسات، والارتياح، وربما الأحضان والقبلات، وأيضاً العلاقة الحميمة؛ فهي جزء أو إحدى وسائل التعبير عن الحب. ويختلف الحب أيضاً في الكمّ، فقد يصل لدرجة السيول، وقد يهدأ ليصبح كالأمطار.

 

ولكن، هل فكرتم يوماً أيهما أفضل لكم: أن يكون حبكم مثل السيل، تنهمر فيه المشاعر التي بداخلكم تجاه من تحبون بكمّ كبير جارف؟ أم أن يكون حبكم هادئاً كالأمطار؟ وأيهما تفضلون: أن يحبكم شخص ما ويمطركم حباً كالسيل، أم تفضلون أن يكون حبه لكم لطيفاً كالأمطار؟

 

لا أدري ما هي إجاباتكم، ولكني أعتقد أن الأمطار أفضل في كلا الحالتين؛ فربما الكثير من الحب (المفرط) يؤدي إلى نتيجة عكسية.

 

ومع ذلك، يوجد الكثير من البشر الذين يختزنون مشاعرهم انتظاراً لمنحها لـ "الحبيب المنتظر"، ولكن هذا الاختزان يسبب مشكلات عديدة؛ فربما طول الانتظار يجعل تلك المشاعر تنهمر كالسيل الجارف عند لقاء ذلك الحبيب، مما قد يؤدي إلى موت الحب وهو ما زال بذرة صغيرة. كذلك، فإن الحب المختزن داخلنا يصيبنا بالحزن والألم، تماماً كتلك الحالة التي تشعر بها الأم إذا ما احتبس اللبن في ثديها ولم تطعم طفلها منه -لوجود أي سبب أو مانع طبي يمنعها من إرضاعه- إذ تلجأ الأم حينها لإحدى الطرق للتخلص من هذا اللبن الزائد الذي يؤلمها.

 

لهذا، فالأفضل أن لا نختزن مشاعر الحب داخلنا، وأن نخرجها باستمرار حتى لا تحترق أرواحنا بالحزن أو الألم، وعندما نجد الحبيب، فسيجد القدر الكافي من الحب الذي لا يغرقه أو يدفعه بعيداً عنا. وهناك أوجه عديدة نستطيع أن نوجه إليها حبنا: فالأهل، والأصدقاء، والجيران، وكل من نتعامل معهم يستحقون منا الاهتمام، ويجب علينا أن نحبهم ونعطيهم من هذا الحب والرعاية، ولا نقف منتظرين "حبيب المستقبل" الذي قد يقتله الحب الزائد المفاجئ.

 

حينما أدركت تلك العلاقة بين السيول والأمطار والحب شعرت بالسعادة، وقررت الاحتفال هذا العام بعيد الحب لأول مرة في حياتي، ولن أكون وحيداً بعد الآن؛ فأنا من فرضت على نفسي العزلة سابقاً. هناك الأصدقاء والأهل يجب أن أهتم بهم، وهناك أيضاً "نفسي" سأحبها وأقدرها، أما الحبيب فسأحفظ له مقداراً مناسباً من الحب أعطيه إياه حين ألقاه.

 

لن أكون وحيداً بعد اليوم، ولن أختزن مشاعري. من اليوم سأكون مطراً.. لا سيلاً.


29 January 2008

المثلية الجنسية والتدين


كلنا نعرف موقف الدين من المثلية ورأيه فيها؛ من حيث كراهيتها وتحريمها وعقابها، والرفع من جُرمها إلى أعلى المراتب، فليس هناك جريمة تُرتكب على وجه الأرض يهتز لها عرش الرحمن إلا المثلية (حسب المفهوم السائد)، فلا الزنا، ولا الاغتصاب، ولا قتل الآخرين، ولا التلاعب بأرواح الناس، ولا الغش الذي يؤدي إلى الموت، ولا أي جريمة أخرى يهتز لها عرش الرحمن.

 

ومن الغريب أنه ليس هناك ذنب أو معصية أخرى تلتصق بها باقي معاصي الدنيا غير المثلية؛ فمثلاً لو كان هناك شاب متدين ولكنه يرتكب معصية كالزنا، فسيقول له الآخرون: "اصبر" أو "تزوج" أو "صلِّ بعد ارتكاب المعصية ليغفر الله لك" وهكذا. أما إذا كان الذنب أنه مثليّ، فستجد أن هذا الذنب قد التصقت به كل ذنوب الأرض من كفر وإشراك بالله، وأنه من أهل النار، وماذا سيقول لربه عندما يقابله! وأنه ملعون ومنبوذ ويهز عرش الرحمن، ولن تُقبل له صلاة ولا أي عمل خير يفعله لأنه مثليّ.

 

وبالطبع، فإن وجهة النظر هذه لها مردودها وانعكاسها على كلٍّ من المغايرين (باقي الناس) والمثليين أنفسهم:

 

ستجد المغايرين يكرهون المثليين ويحتقرونهم، أو على الأقل لا يحبونهم، أو قد لا يتخيلون أن هذا الفعل ممكن الحدوث، وبالطبع فإن ردود الأفعال تختلف من شخص لآخر. لنفترض أنك أخبرت صديقاً لك بسرك العظيم؛ أنك مثليّ، فمهما كانت علاقتك به وقربك منه، فإنه لن يتقبلك صديقاً أو حتى شخصاً يعرفه، وسوف ينسى كل ما فيك من خصال حسنة، وربما يؤوّل كل تصرفاتك السابقة معه على أنك كنت تتحرش به مثلاً، حتى لو لم تكن تضعه في بالك مطلقاً، وسوف ينسى كل المواقف التي جمعتكما سوياً كأصدقاء، وفقط يراك في جهنم وأنت تُعذّب لأنك مجرم.

 

بالتأكيد تتباين ردود الفعل وتختلف حسب شخصية الشخص المغاير، ولكن الشيء الأكيد أن معظم ردود الفعل ستكون في نطاق أنكم لن تعودوا أصدقاء كما كنتم، وذلك لارتباط المثلية بتلك الأفكار التي ينشرها الدين.

 

أما انعكاس نظرة الدين للمثلية على المثليين أنفسهم، فهذه هي المشكلة الكبرى والأهم بالنسبة لنا (وهنا أيضاً ستتباين وتختلف ردود فعل المثليين أنفسهم، كلٌّ حسب شخصيته): فتجد المثليّ منذ اكتشافه وإدراكه لهويته الجنسية وميوله المختلفة عن الآخرين، يكون أكثر الناس اهتماماً بالبحث والقراءة والاطلاع على موقف الدين من المثلية، والمصيبة الكبرى تحلّ عندما يكتشف هذا الموقف العدائي له.

 

فتجده لا يعرف ماذا يفعل، فهو لم يختر ما هو فيه، وليس له يد في ذلك، فكيف له أن يُعاقب على مشاعر داخله؟ يبدأ المثلي في كره نفسه، ويبدأ في الانعزال عن العالم، ويبدأ في جلد ذاته على ما بها من اختلاف، وأنها هي سبب كل شقائه الذي يحياه، ويبدأ في السؤال والبحث عن كيفية التخلص من هذا الداء الذي ابتلاه الله به؛ فيجد علماء النفس الشرقيين تدور طرق علاجهم حول محور الترهيب من المثلية، والعمل على كراهيتها والتنفير منها، وذلك عن طريق استخدام وجهة نظر الأديان من المثلية والعذاب المنتظر في الآخرة، بجانب محاولة الارتباط أو إقامة علاقة جنسية مع الجنس الآخر. فيبدأ المثلي هنا في التقرب إلى الله والدعاء إليه بأن يبدّل نفسه، ويصلح العيب الذي بداخله، وأن يغير ميوله ويعدل من قلبه الذي هو سبب شقائه، ولا أدري كم تطول هذه الفترة حتى يستجيب الله، أو حتى ييأس المثلي من الدعاء.

 

وهناك رد فعل آخر: ربما لا يكره المثلي نفسه ولكنه يكره الناس والمجتمع؛ هذا المجتمع الذي لا يقبله ولا يعترف بحقه في الحياة، ولا بآدميته، ولا بمشاعره وحبه الذي يشعر به لإنسان من بني جنسه، بل ويحقره وربما يعاقبه على هذا.

 

وقد يكون رد الفعل بشكل آخر: فهناك من يستطيع أن يخدع المجتمع وأن يُرضي نفسه في ذات الوقت، فتجد أنه يمثل دور المغاير أمام الناس، ويتزوج وينجب، وبجانب هذا الشكل الاجتماعي تجده يمارس المثلية، وغالباً هذا النوع لا يبحث عن علاقة ثابتة مع مثليّ، فهو فقط يريد إشباعاً مؤقتاً لرغبته التي تلح عليه من وقت لآخر، وبعد ذلك يعود إلى حياته التي يعيشها أمام الناس، حتى تغلبه مشاعره مرة أخرى ويكرر ما فعله سابقاً، وهكذا.

 

وآخر شكل من ردود أفعال المثليين تجاه موقف الدين منهم، هو أن يكره المثلي الدين ويتخلص من كل أوامره ونواهيه، وقد يصل الأمر إلى إنكار وجود الله، وبهذا يكون قد تخلص من أي إحساس قد يسبب له الحزن أو الاضطراب في حياته، وربما يجد المثلي في الإلحاد منفذاً للحياة وتخلصاً من كراهية الدين له، وهذا ما دفعني اليوم لكتابة هذا الموضوع، وداخلي تساؤل وعلامة استفهام كبيرة أتمنى أن نصل إلى إجابة شافية لها:

هل المثلية والتدين خطان متوازيان لا يمكن أن يتلاقيا؟

 

كلنا نعرف، كما شرحت سابقاً، أن المثلية ارتبطت في أذهان الناس بكل الذنوب الأخرى، وبالطبع فهذا تصور خاطئ تماماً؛ فليس معنى أن هناك إنساناً مثلياً أنه سوف يرتكب باقي ذنوب الأرض، وإذا كان هذا الإحساس موجوداً داخل بعض المثليين، فالمجتمع هو المسؤول الأول عن هذا التصور الخاطئ، وهو المسؤول عن زرع هذا المفهوم الخاطئ داخل أنفس المثليين أولاً والمغايرين ثانياً.

 

لماذا المثلية والتدين خطان متوازيان؟ لماذا لا يصح أن أتدين وأنا مثلي؟ لماذا أتدين وأتقرب من الله فقط حينما أتمنى أن أتخلص من مثليتي؟ لماذا يجب أن ألجأ إلى الله لكي يغيرني ويبدل قلبي هذا؟ لماذا ترتبط المثلية في عقول الناس بالمجون والانحلال والفسق والفجور؟

 

لماذا لا نتقرب من الله فقط لأنه الله، وأنه يجب علينا عبادته؟ إذا اعتبرنا المثلية كمرض أو كعاهة أصيب بها أحد الشباب، لماذا يتقرب من الله فقط لكي يغيره أو يبدله؟ هل هناك مثلاً شاب أصيب بعاهة كالعرج أو العمى، ويتقرب من الله فقط كي يُنبت له قدماً جديدة أو يعطيه عيناً أخرى سليمة؟ نعم، المعجزات بيد الله وهو قادر على كل شيء، ولكن لا داعي لأن يكون سبب تقربنا من الله هو أن يغيرنا ويبدِلنا وأن يجعلنا مغايرين.

 

خلاصة القول، أتمنى أن يتغير مفهوم المثلية والتدين داخل المثليين والمغايرين أيضاً، أتمنى أن يتلاقى الخطان سوياً (المثلية والتدين). أتمنى أن نتقرب من الله لأنه خالقنا، وليس فقط لكي يغيرنا ويبدل نفوسنا؛ لأن في هذه الحالة لن يكون تقربك منه إلا لغرض وهدف، وإذا لم يتحقق هذا الهدف ستجد نفسك تبتعد عنه، لا بد أن نتقرب من الله لأنه الخالق، ونعبده بدون هدف أو غاية سوى أنه خالقنا ويجب علينا عبادته.

 

أما عن الآخرة والجنة والنار، فكل شيء بيده هو، ودخول الجنة برحمته وليس بقدر أعمالنا، والله هو الأرحم وهو الذي يستطيع أن يرى ويفهم قلوبنا، نحن لسنا قوم سدوم، إنما نحن نعبد الله ونوحده ونحبه، ربما تكون هناك نقطة واحدة مختلفة فينا، وهذا من طبيعة البشر، فليس هناك إنسان كامل، ولا أعتقد أن الله سيرفض تقربنا منه وحبنا له، أهم شيء أن نؤمن به ونعبده بالقدر المستطاع.



Popular Posts