04 March 2008

خمسون جنيهاً من مصر


فتحت باب الغرفة ودخلت عليهما.. كان مشغولاً مع الطفل الصغير ذي السنوات الخمس يقرأ له إحدى القصص، فقالت:

  • عاوزة 20 جنية منك.
  • يا ماما أنا اشتريت بنطلون جديد ويا دوب الفلوس اللي باقية تكفيني مصروف باقي الشهر، ده أنا ممكن أحتاج أستلف منك على آخر الشهر!
  • تستلف مني؟ أنت المفروض تديني مش تاخد مني!

 

لم يجبها.. فانصرفت إلى المطبخ. صمت قليلاً وداخله إحساس بالحزن؛ كم تمنى أن يصبح ميسور الحال.. ليس غنياً، فلم يكن الغنى من أحلامه، كل ما تمناه أن يصبح ميسور الحال، أو بمعنى آخر: لم يتمنَّ أبداً أن يكون فقيراً.. إنه يكره الفقر. طرد هذه الأفكار وبدأ يستكمل قراءة القصة للطفل الذي بادره بالسؤال:

  • مين بيديلك فلوس في الشغل؟ فكر في إجابة يستطيع عقل الطفل أن يستوعبها، قائلاً: الحكومة يا حبيبي.
  • يعني الضابط اللي بيديلك فلوس؟

ابتسم قائلاً: لأ يا حبيبي، الحكومة مش يعني الضابط. حاول أن يصل لشيء يفهمه الطفل: أنا قصدي مصر.. مصر هي اللي بتديني فلوس، وبتدي للضابط ولكل الناس اللي بتشتغل.

  • طيب هي بتديلك فلوس شوية صغنين؟
  • أيوة يا حبيبي للأسف.
  • طيب قولها تديلك كتير.
  • قولتلها يا حبيبي بس مارضيتش.
  • أقولها أنا؟

ضحك بصوت عالٍ.. يعجبه منطق الأطفال وعالمهم، ثم أجابه: لأ يا حبيبي مش هترضى.

  • هي مصر دي ولد ولا بنت؟
  • مصر دي مش بني آدم. فكر الطفل قليلاً حيث بدا عليه عدم الاستيعاب، ثم سأل: هي كبيرة وبتلبس حديد؟
  • (ضاحكاً) أيوة يا حبيبي كبيرة قوي بس مش بتلبس حديد.
  • أنت بتخاف منها؟
  • لأ يا حبيبي مش بخاف منها.. مصر دي الأرض اللي إحنا عايشين عليها.. يعني بلدنا.

 

سكت الطفل قليلاً ثم عاود السؤال:

  • لما أكبر مصر هتديلي فلوس؟
  • أيوة يا حبيبي، بس لازم تبقى شاطر في المدرسة، وتعمل كل واجباتك، وتسمع كلام المس في المدرسة كويس وتبقى مركز معاها.
  • أنا شاطر وبعمل كل الواجب.
  • برافو عليك يا حبيبي.
  • لما أكبر مصر هتديلي فلوس كتير ولا صغنين زيك؟
  • بص.. أنت ابقى شاطر وادخل كلية الطب علشان تبقى دكتور، وهي تديلك فلوس كتير.

 

على الرغم من أنه يعلم أن الأطباء أصبحوا الآن من محدودي الدخل أيضاً، إلا أنه لا يستطيع توضيح هذا للطفل.. أراد حقاً أن يوضح له أن لعب الكرة والغناء والرقص هي أهم المهن التي تدر دخلاً عالياً هذه الأيام، ولكن كيف له أن يصدم الطفل بهذا الواقع المرير! سأله الطفل من جديد:

  • أنت بتكلم مصر إزاي؟
  • ببعتلها جواب.. لما تبقى شاطر في المدرسة وتدخل كلية الطب وتخلص، هتلاقي مصر بعتتلك جواب فيه فلوس كتير.
  • طيب أنا هبقى شاطر، ولما مصر تبعتلي فلوس كتير أنا هديلك فلوس كتير.. (فكر الطفل في رقم كبير) هديلك 50 جنية!

 

ضحك قائلاً: ربنا يخليك ليا يا قلبي، بس لحد ما تكبر أنا عاوز حضن كبير قوي دلوقتي. ثم أخذه في حضنه وقبله.


3 comments:

  1. حلوة أوي يا كيموووووووووو :)

    ReplyDelete
  2. تحفه يا كيمو
    يبقى انت اكيد اكي فى مصر

    ReplyDelete
  3. ربنا يسامحك يامصر ..
    :)

    ReplyDelete

اشكرك على إهتمامك وتعليقك .. والإختلاف في وجهات النظر شئ مقبولة ما دام بشكل محترم ومتحضر .. واعلم أن تعليقك يعبر عنك وعن شخصيتك .. فكل إناء بما فيه ينضح .

Popular Posts