جلس في الكافتيريا
المفضلة ومعه كتابه الجديد يقرأ وحيداً.. ليس هناك كثير من رواد الكافتيريا فما
زال الوقت مبكراً.. تلفحه نسمات الهواء الباردة.. يشعر بسعادة غامرة، يستنشق ما
تستطيع رئته من ذلك الهواء البارد المنعش.. يشعر بهذه الحالة منذ عدة أيام لدرجة
أنه يشعر أن رئته اتسعت عن الماضي بكثير.. لم يعد يخاف من الإحساس بالبرودة، ذلك
الإحساس الذي كان يسبب له الخوف والحزن.
يترك كتابه قليلاً
لكي يشرب عصير الليمون.. ما ألذ طعمه! عصير ليمون بارد في هواء بارد ويشعر
بسعادة.. كل هذه أشياء جديدة عليه.. كانت السعادة الناتجة عن إحساسه بالقوة التي
اجتاحته بعد بداية المرحلة الجديدة، التي قرر بعدها أن يغير من شخصيته.. وجد أن
قوة الإنسان تكمن في عينيه.. دوماً كان يشعر أنه مغمض العينين.. كان يخاف الناس
ولا يجرؤ على النظر في عيونهم.. كان يشعر بأن عيون الآخرين قادرة على اختراقه
وقراءة كل ما في داخله.. كان يمشي في الشارع لا يرى شيئاً.
لكنه دق طبول الحرب
ضد باقي العيون.. أي عيون يصادفها: رجال، نساء، شباب، بنات، أطفال، كل العيون..
كانت عيناه في بداية الأمر ترسل أسهم الكراهية لهؤلاء البشر الذين عانى من خوفه
منهم كثيراً.. نجح أن يهزم الكثير من العيون.. تلك العيون التي كان يهرب منها الآن
يقهرها ويقهر الخوف داخله.. يملؤه إحساس بالانتصار وأنه صار قوياً لم يعد يخاف
الناس، يشعر أنه أقوى الناس.. أصبحت الحرب هوايته المفضلة – النظر في عيون الناس –
هناك عيون نوعاً ما قوية تصمد قليلاً ثم تبتعد، ولكن الغالبية العظمى تهرب سريعاً.
يود أن يضحك ويصرخ من الفرح. ثم جاءت المرحلة التالية – مرحلة الاستقرار – لم يعد
يهتم كثيراً بعيون الآخرين ولكنه أصبح مستعداً لأي مواجهة في أي وقت.. بدأ يبحث داخله
عن كل مواطن القوة التي لم يكن يستخدمها.
رن جرس الموبايل..
إنه تامر.. وتلك النغمة الخاصة به. ترتسم ابتسامة عريضة على شفتيه ويظهر بريق في
عينيه نتيجة تلك الدموع التي تداعب عينيه.. يشعر بالسعادة.. يتذكر ليلة أمس عندما
اتصل بتامر وقال له إنه سعيد لأن ثمة تغييراً يطرأ عليه، وقال له إنه يشعر أنه
قوي.. وأنه ما زال يحبه ولا يهمه إذا كان هو يحبه أم لا، وأن اعترافه له الآن ليس
ضعفاً وإنما قوة، فهو يحبه ولكنه لا يحتاج إليه.
يحمل داخله رغبة منذ
عدة أيام في أن يذهب لمكان مليء بالأشجار الخضراء.. يريد أن يستنشق أكبر قدر من
الهواء النقي.. لديه إحساس أنه لم يستنشق هواء من قبل.. لم يعد يحب تلك الغرفة
المغلقة المظلمة التي يقضي بها أطول وقت من حياته.. لا يعرف مكاناً بهذه المواصفات
ولكنه لا بد أن يحقق هذه الرغبة.
جلس يفكر قليلاً في
تامر وتلك التجربة التي أبداً لم تكن مثل أي تجربة سابقة.. مشاعره لم تنقص.. أصابه
الحزن عندما قرر تامر الابتعاد عنه لسبب لم يفهمه.. فالسبب كان عملية رياضية
فلسفية معقدة.. وهي أن واحداً زائد واحد يساوي اثنين.. هكذا يرى تامر، بينما يرى
كريم أن واحداً زائد واحد يساوي واحداً.. يخاف تامر على حياته وشخصيته حيث يريد
الاستقلال، لا يريد أن ينتمي لأحد أو أن يصير جزءاً من أحد.. كريم كان يرى أن حتى
تلك العملية الحسابية "واحد زائد واحد يساوي اثنين" حقاً، ولكن حتى
الرقم اثنين هو في النهاية رقم واحد وليس رقمين، أي إن عملية الجمع جعلت من
الرقمين رقماً واحداً فقط.. وأنه لا يرى أي مشكلة في أن يصبح الحبيبان جزءاً من
بعضهما أو أن يؤثر كلاهما في الآخر، ولكن تامر لم يقتنع بهذا.
المهم، بينما عقله
يحاول تفسير العلاقة بينه وبين تامر وبين التغييرات التي طرأت عليه، تتضح أمامه
فكرة أذهلته:
ما هو شعور الطفل
لحظة ميلاده بعدما يقضي العديد من الشهور داخل رحم أمه؟ هل يشعر بالحزن والخوف
لفراق هذا المكان الآمن الذي اعتاد عليه؟ هل يحزن حينما يلفظه الجسد الذي كان
جزءاً منه؟ أيشعر الطفل بالرعب عندما يشعر أن هذا الجسد يلفظه بعيداً عنه لأنه لم
يعد يحبه؟ هل يشعر الطفل بأن حياته ستنتهي بعدما يخرج من هذا الرحم الذي كان يعطيه
الحب والحنان والحياة؟ هل يدرك الطفل بأن هذا الانفصال هو بداية حياته وليست
نهايته؟
ما هذا؟ يشعر بالذهول
لهذه الفكرة.. ما هذا التطابق بينه وبين ذلك الجنين لحظة خروجه للحياة؟ هل كان
طوال حياته عبارة عن جنين؟ هل عاش طوال عمره يبحث عن رحم يحتضنه ويقدم له الحب
والحنان والحياة؟
هل كان تامر ذلك
الرحم؟ فهو أول إنسان يشعر كريم بحبه له، هل قبل تامر أن يقوم بهذا الدور الذي لم
يستطع أحد من قبل القيام به؟ هل حقاً كانت العلاقة بينهما كعلاقة الجنين بأمه؟ حيث
كان كريم يعيش داخل تامر كجنين ينمو ويكبر.. حتى حينما تعرض تامر لمشكلة لم يكن رد
فعل كريم كدفاع عن حبيبه بل كان دفاعاً عن النفس.. كان يعيش المشكلة بآلامها معه..
فموت تامر معناه موته هو شخصياً.. هل حينما كان يقصد تامر أنهم اثنان وليسوا
واحداً وكريم يصر على أنهم واحد وليسوا اثنين.. هل كان يشعر أنه جزء من تامر وأنه
ما زال داخله يعيش تلك المرحلة؟ فالجنين في رحم أمه يعتبران شخصاً واحداً.. هل
حينما قرر تامر أن يبتعد عن كريم كانت هذه هي لحظة الميلاد بالنسبة لكريم.. تلك
اللحظة التي لفظ فيها تامر كريم إلى الحياة؟ بالطبع الطفل يبكي لحظة ميلاده ويتألم
لانفصاله عن هذا الجسد الذي أمده بالحياة والحب. وهذا ما حدث مع كريم.
هل لهذا أصبح كريم
قادراً على استنشاق الهواء بسعادة الآن؟ هل أصبح قادراً الآن على مواجهة الناس
والنظر في عيونهم لأنه خرج إلى الحياة واستطاع أن يستعمل عيونه وأن يتخلص من هذا
الغشاء الذي كان يمنعه من مشاهدة تلك الحياة التي كان يسمع أصواتها وهو في الرحم؟ هل
لهذا لم تتغير مشاعره نحو تامر أو نحو الجسد الذي حمله داخله في رحمه؟ هل الآن
أصبح الواحد اثنين؟
ما زال يشعر بالذهول
لهذا التشابه والتطابق بين حالته وحالة الطفل لحظة الميلاد، ولكن كل ما يشعر به،
أنه الآن وُلِد إلى الحياة ويشعر بسعادة غامرة.. أما بخصوص تامر فهو لن يستطيع
الابتعاد عنه.. حتى لو تخلت الأم عن طفلها فسوف يحمل الطفل داخله إحساسه أنها سبب
وجوده في الحياة وسوف يحبها ما دام يحيا. كذلك سوف يظل حبي لتامر.


كريم
ReplyDeleteكويس انك مباتش تخاف من حد
بس في حكاية الام والجنين ممكن الابن يسيب امه عادي
والدليل علي كدة ان اغلب المثليين بعاد عن مش امهاتهم بس لا دا عن كل عائلاتهم وعيشين حايتهم السرية
صح ولا لا
صديقى و اخى كريم
ReplyDeleteبرغم سعادتى بك و بتغير حالك من الضعف الى القوة ارجو ان تتذكر ان القوة ليست كافيه لا تنسى الحب و المشاعر الجميله و التسامح لتكون الأقوى فى هذا الزمن الغدار
مبروك يا صديقى على ولادتك من جديد و خروجك من الرحم و يا رب دائما فى سعاده و تحقق كل ما تتمناه
صديقتك داليا - ريم
اسمحلى يا كريم انى اترك رساله لصديقنا ايساف الذى اتمنى ان يكون بخير و ارجو ان يكون ما زال من قرائك و متابع جيد لك
ايساف وحشتنا و منتظره اتصالك
كريم
ReplyDeleteكيف احوالك ياصديقى
جميل ان انت بدأت مرحلة جديدة
و جميل انك عاوز تواجه حاجات كنت بتخاف او بتتفادى مواجهتها
حرب العيون يا سلام يا كريم
اتمنى لك الثبات و العزيمة على المضى
و أنك تنتقل من مرحلة الى مرحلة دوما بقوة و سعادة اكبر
على فكرة لو وجدت هذا المكان الملىء بالاشجار يا ريت تدلانى عليه لان نفسى الاقى مكان زى ده نفسى بجد أسيبك انا و أكمل الليلة إحساسى غريب
صديقي حسن
ReplyDeleteفعلا ان المثليين يجتنبوا باقي الناس و يعيشوا في وحدة يخبئون مشاعرهم و حياتهم و حتى اجسامهم عن كل المحيطين بهم
و لكني هنا لم اقصد علاقة الام بالطفل المثلي انما قصدت اى طفل .. ربما تضطر الظروف ان تبتعد الام عن طفلها او ان يبتعد الطفل عن امه و لكن يبقى الحب و تبقى العلاقة مهما حدث
كان هو ما قصدته
***********
الغالية داليا
شكرا لزيارتك و تعليقك
اعلم مغزي كلامك يا صديقتي
اما بخصوص الصديق العزيز ايساف
حقا فقد افتقدته ايضا
اتمني ان يكون بخير و ان يكون يقرا المدونة حتى يتمطنا عليه
اتمني لك السعادة و السلامة يا ايساف
و لكي ايضا يا داليا
***************
اهلا باسيفك
شكرا لك يا جميل
انشاء الله لو لقيت المكان ده هبقى اقولك عليه
تحياتي ليك
hey kemo
ReplyDeletefakerny wala la2..
i'm really happy for u, and i loved the last post too, yeah that's the spirit..
missing u
صديقي الحبيبي كيمو
ReplyDeleteاتمناء لك السلام بعدالخروج من هذا العالم وارجو منك ان تكون حريص كل الحرص فانت الان ضعيف المناعة فكون حريص
مؤمن
اهلا كريم
ReplyDeleteالحمد لله انك صرت اقوى من قبل هاد شي يفرح القلب
لكن اتوق ان السر ان شربت ريد بول
لان رد بول بيعطيك جوانح
:)
بمزح معك
ياسيدي روق دمك وماتفكر كتير
خليك عم تتنفس وتنبسط
وتحارب
صدقني حريتك وحياتك اهم من اي شي
الله يوفقك
سلام
كريم انت لازم تفكر تعمل رواية او اى عمل ادبى لان اسلوبك رااااائع .
ReplyDeleteتحياتى
هاى تشيتوس
ReplyDeleteازيك
شكرا على تعليقك و عندك حق
that's the spirit
**********
صديقي الغالي مؤمن
شكرا ليك و فكرتني فعلا ان ممكن تكون مناعتي ضعيفة
متهيالي الرضاعة الطبيعية احسن مش كده ؟
ههههههههههه بضحك معاك
شكرا ليك يا قمر
***************
الغالي مصطفى محمود
شكرا ليك يا جميل
اهو اديني بحاول
متشكر لزيارتك
كريم
ReplyDeleteالإبداع في كتاباتك ليس له حدود ... أحمد الله أن لي الآن حبيبي الذي أكتب له وعنه
صديقي
لقد وجدت من أعيش له
من أعيش أتغني له
من أعيش لأجله
كريم أتمني لك كل التوفيق مع تامر
عزيزي كريم
ReplyDeleteهو هكذا الحب أعمى ان تمكن من القلب واستحوذ عليه لا يفارقه أبدا....أتمنى لك التوفيق في علاقتك مع التامر
تحياتي
كريم بجد بتمنى لك ان الله سبحانه يبسطك اكتر واكتر
ReplyDeleteوان شاء الله تعيش حياتك كلها فرحان على الاخر انت وتامر
صديقى كريم السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
ReplyDeleteأنا بس كنت قاعد أقرا شواية فقلت لازم أدخل أسلم عليك
عزبيزى كريم
ReplyDeleteعجبنى استخدامك لتعبير الخروج من الرحم
وربطك بينة وبين علاقتك بتامر
على اساس انك اتولدت من جديد بعد تامر
كلنا بنتولد من جديد بعدج اى تجربة فى حياتنا سواء كانت ناجحة او لا
المهم اننا نتولد ونكون اقوى
تحياتى ياكيمو
روميو