31 August 2009

الهدف الأسمى: كيف ينجح المصريون في إبادة أنفسهم؟


في فترة ما قبل ثورة 1952، حيث الاحتلال البريطاني لمصر ونظام الحكم الملكي، كان الهدف الأسمى للشعب المصري هو القضاء على الاحتلال والتخلص من الملكية ونظام الإقطاع، وقد نجح ضباط الجيش الأحرار بالتعاون مع الشعب في تحقيق هذا الهدف وفرض نظام الحكم الجمهوري لأول مرة في التاريخ المصري.

 

وبعد مرور فترة من الزمن، وبعد اتخاذ الرئيس الراحل جمال عبد الناصر قرار تأميم قناة السويس والسيطرة المصرية الكاملة عليها والحصول على مواردها كاملة دون شريك، استفز هذا القرار إنجلترا التي قررت الانتقام من مصر، وتلاقت هذه الرغبة مع رغبة فرنسا في الانتقام من مصر لمساندتها الثورة الجزائرية ضدها، وكذلك رغبة إسرائيل في الاستيلاء على سيناء؛ فاجتمعت تلك الرغبات مكوِّنةً "العدوان الثلاثي" على مصر عام 1956، والذي قوبل بمقاومة شديدة من الجانب المصري، وانسحبت القوات الثلاث منهزمة بعد قرار وقف إطلاق النار، وكان هذا النصر نتيجة لتحالف الجيش مع قوى الشعب، وتظهر المقاومة الشعبية بوضوح في استبسال أبناء بورسعيد ضد هذا العدوان.

 

بعد ما يزيد على عشر سنوات تخللتها بعض المناوشات بين الطرفين العربي والإسرائيلي، كانت إسرائيل تستعد خلالها بأحدث أنواع الأسلحة مستعينة ببعض الدول الغربية الكبرى والإعلام الموجه والمخطط محاوِلةً كسب التأييد العالمي للقضية الإسرائيلية، في نفس الوقت الذي انشغلت فيه الدول العربية ببعض المشاكل الداخلية وأهملت جانب التسليح، فقامت إسرائيل بهجوم مفاجئ على جبهات متعددة شملت مصر والأردن وفلسطين وسوريا، وكان ذلك عام 1967 في الحرب التي نعرفها نحن بـ "النكسة" ويعرفها العالم باسم "حرب الأيام الستة"، حيث احتلت فيها إسرائيل شبه جزيرة سيناء بشكل كامل، بالإضافة إلى بعض المناطق العربية الأخرى ودولة فلسطين بأكملها.

 

ومرت سنوات عانى فيها الشعب المصري مرارة الهزيمة وفقدان جزء غير هين من أراضيه، وفي الوقت نفسه كان الجيش المصري يستعد بشكل غير علني لحرب استعادة سيناء وتحريرها. وبالمثل، جاءت حرب أكتوبر 1973 مفاجأة للجانب الإسرائيلي الذي لم يتوقع أن يخوض الجيش المصري هذه الحرب؛ فخاض المصريون حرب أكتوبر المجيدة ونجحوا في استعادة الضفة الشرقية من قناة السويس، ثم استُعيدت باقي سيناء عن طريق معاهدات السلام وقرار وقف إطلاق النار مع الجانب الإسرائيلي. وقد راح الآلاف من شباب مصر شهداء في تلك المعركة، وحاول الشعب نسيان آلامه لفقدان أبنائه والتظاهر بالفرحة وتضميد جراح فقدان الأعزاء، كما غنت شادية: "سينا رجعت كاملة لينا ومصر اليوم في عيد"، نعم كان عيداً رغم الحزن الذي ملأ قلوب الكثيرين ورغم استشهاد الآلاف؛ فلا أحد يستطيع أن ينكر أن هذه الحرب وهذا الحزن الذي خيم على معظم البيوت المصرية قد أثر بشكل محوري في عادات وسلوكيات الشعب المصري.

 

ومرت السنوات وأصبحنا في العصر الحالي، ولكل عصر هدف، نعم لا بد من وجود هدف محوري يجتمع حوله الشعب لتحقيقه.. ولكن يا ترى ما هو هدف شعبنا الحالي؟ هل هو التقدم؟ هل هو الازدهار والتميز؟ هل هو الارتقاء الصناعي ومنافسة الدول الأخرى في بعض الصناعات ولو كانت صغيرة؟ هل هو الصراع من أجل خلق مناخ صحي وقيمي واجتماعي أفضل للمواطن المصري؟ لا أعتقد ذلك، فليس أي من تلك الأهداف كان هدفنا.. ولكن الهدف الذي اشترك فيه كل الشعب لتحقيقه في السنوات الأخيرة كان القضاء على الشعب المصري نفسه! نعم، القضاء على الشعب المصري.. لا تصدق ذلك؟ سأوضح لك ذلك في الفقرات التالية:

 

كلنا نعرف أن الماء هو سر الحياة كما تقول الحكم القديمة، وفي مصر المصدر الوحيد للمياه هو نهر النيل، بل إنه لا وجود لمصر بدون النيل، وقد أدرك القدماء هذا فقدسوه وأصبح أحد آلهتهم، ومع ذلك فقد اتفقنا نحن الشعب المصري المعاصر على القضاء على هذا المصدر الوحيد للحياة لدينا؛ فأصبح النيل سلة المهملات والقاذورات لكل مخلفات الشعب المصري، ومخلفات المصانع السامة، ومقبرة للحيوانات الميتة، بل وقد أصبح النيل أحد فروع الصرف الصحي، ناسين أن تلك المياه التي نبذل قصارى جهودنا لتلويثها يعاد ضخها مرة ثانية لنا في مواسير مياه الشرب لتصل إلينا محملة ـ مهما كانت درجة تنقيتها ـ بمختلف السموم التي قمنا نحن بإلقائها فيه.

 

اتفقنا نحن الشعب المصري على أن نخترع من الطعام قنابل للقضاء على الشعب المصري؛ فلم يقتصر دور الشعب على تلويث المياه التي تروي النباتات والأطعمة التي سنتناولها ـ تلك النباتات التي تحتفظ داخلها بكثير من السموم والملوثات التي أوجدناها في مياه النيل ـ بل قام الفلاح باستخدام اختراع آخر رائع، ألا وهو الهرمونات؛ تلك المواد الكيماوية التي لها مفعول السحر، حيث يضيفها الفلاح مساءً لثمار الفاكهة والخضراوات وهي ما زالت في بداية مرحلة النمو، ليجدها صباحاً قد أصبحت ضخمة وجاهزة للقطف والبيع!

 

هذه الخضراوات والفاكهة التي استُخدمت الهرمونات في إنضاجها تعتبر من الأسباب الرئيسية في إصابة المواطنين بالفشل الكلوي والأورام والسرطان وأمراض الكبد. ونشيد هنا بدور بعض كبار المسؤولين في استيراد الكثير من المبيدات الزراعية المسرطنة (لا أدري ماذا أقول!) فالعالم كله يعمل بمنتهى الهمة والنشاط لتحقيق "الهدف الأسمى".

 

وقد قام بعض "نشطاء الوطن" بتصنيع وابتكار نوع جديد من الألبان لا يحتاج مزارع ولا أبقار ولا أي نوع من الحيوانات، ولكن كل ما يحتاجه هو (شكارة بودرة سيراميك) مع قليل من مكسبات الطعم وإضافتها للماء، ويكون المشروب جاهزاً للاستخدام! وطبعاً نشكر صاحب هذا الابتكار ونتمنى من الدولة أن تعطيه إحدى جوائز الدولة التقديرية الخاصة بالاختراعات، ونشيد بالسادة المسؤولين عن توفير مواد البناء لتوفيرهم المواد الخاصة المستخدمة في صناعة هذا النوع من الألبان وعدم رفع سعرها حفاظاً على المنتج الجديد!

 

وقد كان لرجال الأعمال والمستوردين دور فعال في تحقيق هدفنا، حيث شاركوا بمجهود رائع في استيراد الأطعمة غير الصالحة للاستخدام الحيواني وطرحها بالأسواق المصرية على أنها منتجات للاستخدام الآدمي، رافعين شعار: "خلي الغلابة تأكل!".

 

ونشيد بدور شركات استيراد الأدوية في استيراد بعض الأنواع التي لا تصلح للاستخدام في الخارج للمواطن الأوروبي لخطورتها، وطرحها بالأسواق المصرية، محتكرين الأنواع الجيدة والفعالة للمواطن الأوروبي (مواطن الدرجة الأولى). كذلك نشكر بعض الإخوة المصريين الذين قاموا بإنشاء مصانع صغيرة لصناعة الأدوية في بدرومات المنازل وأسفل سلالم البيوت، وهذا مساهمة منهم في حل مشكلة الدواء، متخذين نفس أسماء الأدوية المستوردة ونفس شكل الغلاف الخارجي، فهذا هو الشيء الهام، أما محتوى علبة الدواء فهذا لا يهم، سائرين على مبدأ "الشافي هو الله وليس علبة الدواء"؛ ويقوم هؤلاء السادة الأفاضل بتوزيع هذه الأدوية بأسعار أرخص على الصيدليات رافعين شعار: "لماذا تتعالج بينما يمكنك أن تموت؟" طبعاً نشكر هؤلاء على مجهوداتهم الفعالة في تحقيق الهدف الأسمى!

 

ولم يقتصر التسمم فقط على المأكل والمشرب، ولكنك ستجد أيضاً التسمم في الأفكار؛ نعم فالأفكار أيضاً تُسمَّم، حيث تقوم جماعات من الشعب بطرق مختلفة بنشر أفكار التعصب الأعمى ونشر الجهل الفكري بين أوساط المتعلمين: "لا تقرأ كتباً أخرى غير الكتب الدينية.. فأي كتاب آخر هو علم لا ينفع.. قد يزعزع عقيدتك.. لا تصاحب مسيحياً ولا تهنئه بعيده.. لا تلقِ السلام على غير المسلمين".. وتبدأ الأزمات الطائفية المصحوبة بأعمال العنف والقتل.. كل شيء يسير على ما يرام ما دام يخدم هدفنا الأسمى!

 

ونشكر أيضاً الإهمال والتسيب في كل وسائل أمن وسلامة المواطن المصري: قطارات تحترق بالناس الذين فيها؟ (تماماً، خير وبركة)؛ سفن تغرق ببضعة آلاف من المواطنين؟ (جميل جداً)؛ جبل ينهار فوق منطقة عشوائية بها مئات المصريين ويتم تسوية الأرض فوق الأنقاض؟ (يا رجل، مئة فقط؟ ليتهم كانوا ألفاً!)؛ تمام يا رجال، ما دام كل ذلك يخدم القضية الكبرى! أعتقد أننا قد حققنا أرقاماً قياسية في عدد المصابين بالفشل الكلوي والكبد والسرطان في مصر، رافعين شعار: "المصريين أهو.. حيوية وعزم وهمة".

 

ونحن في انتظار الدور الهام الذي ستلعبه فيروسات الإنفلونزا، سواء الطيور أو الخنازير، وهذا لعدم وجود أي احتياطات أمنية أو أساليب وقائية أو عادات صحية لدى الشعب المبجل للحد من انتشار أي وباء أو فيروس قد يجتاح البلاد. قد يقول البعض إن هناك حجراً صحياً في المطارات، وبسؤال الكثيرين ممن عبروا بوابات المطارات المصرية قادمين من بعض الدول الأوروبية أجابوا بنفي هذه الشائعة، وبالطبع فقد كان هذا هو "العشم"؛ إذ كيف لنا أن نوقف أحد السائحين طالبين منه أن يتم فحصه بأي شكل من الأشكال؟ (ستكون مهزلة!).

 

ومن هنا نهيب بكل مواطن مصري بأن يقوم باحتضان وتقبيل كل سائح يراه في المطارات المصرية حتى لو كان شكله يدل على أنه يعاني من "إسهال الخنازير"، وهذا بهدف تنشيط السياحة ببلدنا العريق!

 

وسؤال أخير.. يا ترى بعد كم سنة سنكون قد حققنا هدفنا بشكل كامل وقضينا على الشعب المصري بأكمله؟ وهل سنحتاج لخطط جديدة وابتكارات أخرى تساعدنا للوصول لهدفنا الأسمى، أم أن هذا كافٍ؟


08 August 2009

وهم السيناريو الافتراضي: من الصدام إلى الاندماج في الحب


كلُّ إنسانٍ منا وُلِد ونشأ وتربى وعاش ومرَّ بظروفٍ مختلفة تماماً عن أي إنسانٍ آخر.. كل هذه الظروف والتجارب التي خاضها هذا الإنسان تخلق منه شخصيةً فريدةً من نوعها، تلك التي من المستحيل أن تتشابه مع أي كائنٍ آخر فوق هذه الأرض.. بل إن هذا الاختلاف والتميز والفردية تجدها أيضاً بين هؤلاء الذين ولدوا ونشأوا وتربوا وعاشوا ومروا بالظروف نفسها، والاختلاف بينهم هنا يرجع إلى التكوين النفسي الداخلي أو الاستعداد النفسي لهؤلاء الأشخاص.. قد توجد تشابهات بين بعض الشخصيات، ولكن من المستحيل أن يوجد تطابق بين الأشخاص.

 

لهذا، ومن هذا المنطلق، يجب علينا أن نكون على وعيٍ تامٍ عند دخول شخصين في علاقة حبٍ أو ارتباط، أنهما سيواجهان شيئاً عظيماً وهو الاختلاف بينهما، ومحاولة الوصول لحالة الاندماج التي عندها يصل الاثنان لأعلى درجات السعادة.. وإذا نظرتَ حولك ستجد صداماتٍ كثيرة بين المرتبطين في السنوات الأولى من علاقتهم.. وهذا شيءٌ طبيعي يجب أن يعيه الطرفان، ويكونَا على استعدادٍ تامٍ لمواجهة هذا الاختلاف وصولاً للاندماج.

 

وهذا الصدام يرجع إلى أن كل شخصٍ منا لديه السيناريو الافتراضي والمتوقع من الحبيب أو الطرف الآخر.. هذا السيناريو الافتراضي الذي تكوَّن طبقاً لظروف وأفكار وميول وتوجهات كل شخصٍ منا.. وتحدث المشكلات والصدامات حينما يسلك الطرف الآخر طريقاً أو تصرفاً أو رد فعلٍ غير مطابقٍ لما رُسِم في السيناريو الخاص بنا.. وحينما يحدث هذا الاختلاف أو الخروج عن النص المتوقع، نجد أن ردود أفعالنا تختلف أيضاً كلٌّ منا حسب شخصيته.

 

قد يحاول البعض لفت نظر الطرف الآخر إلى أنه أخطأ، وأنه كان عليه أن يسلك هذا الطريق أو يقوم بتصرفٍ معين أو رد فعلٍ آخر بدلاً من هذا الذي قام به، والذي يختلف تماماً عما نتوقعه منه.. أو قد يكون رد الفعل أن يصمت البعض منا متمنين أن يفهم الطرف الآخر أن هناك خطأً ما، فيحاول هو الوصول بمفرده للتصرف أو رد الفعل المتوقع دون أي توجيهٍ أو إرشادٍ منا للطرف الآخر.

 

مثال على ذلك: ماذا تفعل إذا أخذ حبيبك الهاتف الخاص بك بدون علمك، وقرأ الرسائل الواردة إليك، وراجع دليل الهاتف الخاص بك؟ وجاء إليك يواجهك بأن هناك صديقاً أرسل لك رسالةً ما قد تحوي كلمة حب أو ما يفيد بأنك مقرب له، مع العلم أن هذا الشخص مجرد صديق لا أكثر، وأنك لا تحمل له أي مشاعر أكثر من كونه صديقاً، وأنت عندما قرأت هذه الرسالة لم تفهم هذا المعنى الذي يتهمك به الآن؟ كيف سيكون رد فعلك؟

 

ستختلف ردود الأفعال تماماً من شخصٍ لآخر.. قد ينفعل البعض ويعترض على المبدأ أساساً في أنه أخذ هاتفك بدون علمك.. قد يدافع البعض عن نفسه وبأنه ليس هناك أي شيء بينك وبين مرسل هذه الرسالة وأنه مجرد صديق.. قد يسكت آخر ويبكي لإحساسه بالجرح وأنه مُتهم بالخيانة... والكثير من ردود الأفعال التي ستختلف باختلاف شخصياتنا.

 

ولكن، هل خطر في بال أيٍّ منكم أنه من المفترض أنت أيضاً أن تقوم بالفعل نفسه، وأن تأخذ هاتف حبيبك هذا وتقرأ الرسائل الواردة إليه وتبحث في دليل الهاتف الخاص به كدليلٍ على اهتمامك به وحبك له؟ ربما يجيب البعض بالموافقة، وربما يعترض الآخر على هذا.

 

إذن، فالوصول لمرحلة الاندماج ليس بالشيء الهين أو البسيط.. فالسيناريوهات لدى كلٍّ منا مختلفة تماماً باختلاف شخصياتنا.. لذا فما الداعي لوجود هذه السيناريوهات مادامت لن تتطابق مع تصرفات مَن نحب وأنها ستختلف دائماً؟ أليس من الأفضل أن نهتم بمعرفة الطرف الآخر واكتشاف شخصيته، واكتشاف إيجابياته وسلبياته، وكتابة سيناريو جديد يتفق مع اتجاهاتنا واتجاهات مَن نحب؟

 

لذا يجب على الطرفين أن يتحاورا ويتناقشا بشكلٍ مستمرٍ ودائم لمعرفة كلٍّ منهما الآخر، تاركين كل السيناريوهات المتوقعة، وألا يستحوذ طرفٌ منهما على الآخر طالباً من الطرف الثاني أن يتغير ويتشكل في تصرفاته وردود أفعاله وتفكيره بالصورة الافتراضية نفسها التي رسمها الطرف الأول في السيناريو الخاص به.. لأنه من المستحيل أن تمحو شخصية إنسانٍ وتستبدلها بأخرى.. قد يستطيع هو أن يتقمص تلك الشخصية التي كتبتها أنت في السيناريو الخاص بك لفترةٍ محدودة، كما يفعل الممثلون وقت العمل، ولكن لن يستطيع أن يستمر لفترةٍ طويلة حيث لابد دائماً أن يعود لشخصيته الحقيقية.. وإذا أصرَّ طرفٌ من الاثنين على أن السيناريو الخاص به هو الأفضل وهو المثالي وهو الطريق الوحيد للوصول للسعادة، ففي هذه الحالة ستكون العلاقة بينهما تتجه نحو النهاية المحتومة.

 

لذا تخلصوا من سيناريوهاتكم الافتراضية للحبيب، واكتشف شخصية حبيبك الحقيقية، وحاولا سوياً الوصول للسعادة –الهدف الأول للعلاقة– عن طريق الاندماج والتغيير في الطرفين.. وإذا لم تتحقق السعادة فالأفضل عدم الاستمرار بها؛ لأنها ستكون سبباً للشقاء المستمر.



07 August 2009

لا أريدك قائداً لجوادي


 

لا أريدك قائداً لجوادي

فعندما تكون قائده،

فإنه لا يراك؛

فقط يشعر بسوطك

عندما يخطئ الاتجاه.

قد تفسر أنت هذا حباً،

ولكنه يراه جفاءً.

 

قد تقول إنك تخاف عليه

من أن يخطئ الاتجاه،

ونسيت أنه يمشي

في هذه الحياة

قبل أن تراه،

وسيمشي إن تركته

وإن نسيته.

 

لا أريدك قائداً لجوادي،

ولكني أريدك رفيقاً لحياتي؛

أراك أمامي وبجواري،

تشاركني دروب الحياة،

تختار معي الاتجاه،

تنظر إليّ بكل احترام.

قد أخطئ وتنزلق الأقدام،

ولكني سأتعلم من الأخطاء.

 

لا تجعل من وجودنا سوياً مشكلةً

تسبب لي ولك الحزن والاكتئاب،

تكفينا مشاكلنا الأخرى،

يكفينا الخوف من مجتمعنا وأهلنا،

فلا تجعل حبنا أحد أسباب شقائنا.

 

لا أريدك قائداً لجوادي،

ولكني أريدك رفيقاً لحياتي.







29 July 2009

على خطى الجبلاوي


منذ بدء الخليقة والإنسان في حروب وصراعات لا تنتهي، وكأن الأرض بُسطت لتصبح رقعة شطرنج، ويقف على جانبيها الفريقان المتحاربان في حرب لا تنتهي أبداً.. ولكن الملفت للانتباه أن تلك الصراعات لم يكن الدافع خلفها هو صراع الخير والشر، وهو بالطبع الصراع الأشهر الذي نجده فقط في قصص الأطفال، ولكن هناك صراعات أخرى وأهداف أخرى قد تكون غريبة ومثيرة للدهشة.

 

فمثلاً، ما الدافع خلف الصراعات القائمة بين الأديان.. ما دامت هذه الأديان تعترف بوجود الله الخالق الواحد؟ لماذا كانت هناك الحروب الصليبية ولماذا كانت هناك الفتوحات الإسلامية؟ لماذا حتى الآن توجد الأفكار التي تحث على الجهاد والكفاح المسلح باسم الدين؟ لماذا ما زال هناك الطموح اليهودي والحروب الباردة والإرهاب؟ ما دام الكل يعبد رباً واحداً فما الغاية من الحروب والصراعات؟ لماذا لا يعبده كلٌّ بطريقته التي يرتضيها ويراها هي الأقرب له؟ هذا مجرد مثال.

 

وهناك أمثلة كثيرة لأمور أبسط نجدها في حياتنا اليومية.. صراعات وحروب من أجل فرض رأي أو اختلاف في رأي، قد نجدها في أمور تافهة مثل كرة القدم والشجار حول الفريق الأفضل، صراعات حول فرض مكانة اسم عائلة في قرية ما من القرى بسبب شجار بسيط بين الأطفال وقد تصل هذه الصراعات إلى القتل.. صراعات لا تنتهي، وإذا انتهت إحدى الحروب بسببٍ ما تنطلق حرب أخرى بهدف آخر، وكأن البشر لم يجدوا سبباً لوجودهم هنا على الأرض إلا لكي يتحاربوا.

 

لماذا تتحول الحياة إلى رقعة شطرنج ويجب علينا أن نخوض الحروب بشكل يومي؟ أنا شخص مسالم لا يحب الدخول في صراعات مع الآخرين، ويبدو أن هذا غير كافٍ لتعيش في سلام هنا.. تعبت جداً وارتضيت أن أنسحب من تلك الحياة وتركت رقعة الشطرنج لباقي البشر وباقي الفرق المتحاربة، وارتضيت أن أمكث هناك في صومعتي كملك مهزوم بعيداً عن كل تلك الصراعات.. التي أرهقت تفكيري وأدمت مشاعري.. كل ما أريده أن تمر تلك السنوات التي أحياها هنا بسلام.. لا حروب ولا صراعات.. لا أريد مكاسب ولا أريد أن أخسر نفسي.. تركت لهم رقعة الشطرنج بكاملها، تركتها لباقي البشر.

 

أجد تشابهاً كبيراً بين عزلتي التي ارتضيتها لنفسي وبين عزلة (الجبلاوي)، إحدى شخصيات رواية (أولاد حارتنا) للكاتب الكبير (نجيب محفوظ)، حينما قرر الجبلاوي –الجد الكبير– أن يغلق عليه بيته بعيداً عن كل أحفاده وذريته.. سنوات مرت من حياتي وأنا ها هنا في حجرتي بعيداً عن كل الناس.. لا أتدخل في حياة الآخرين ولا أريد أن يتدخل أحد منهم في حياتي، أعيش كملك منسحب من أرض المعركة تاركاً كل ملكه في تلك الحياة للآخرين.. ولكن هل هم رضوا بذلك؟

 

لا، لم يرضوا بذلك.. لم يكفهم الانسحاب ولا كل تلك الحياة التي لم أعبأ بها.. تقشفت عن حاجتي لوجود آخرين.. ولكن لم يكن هذا رادعاً لهم فما زالت داخلهم الرغبة في الحرب.. لم يكفهم الانسحاب والانعزال، فلم يتركوني لحالي هناك، بل زادت لديهم الرغبة للدخول لي في صومعتي لينهشوا لحمي ويكسروا عظامي.

 

الانسحاب والانعزال هزيمة، ألا يكفيهم أن أعترف بذلك؟ ألا يكفيهم نصرهم وتلك الحياة التي أصبحت لهم وحدهم؟

 

فاليوم وجدته أمامي في صومعتي.. عاد بعد فترة طويلة من الغياب.. لم يَعُدْ حباً في الملك المهزوم، ولكنه عاد كي يقول له "كش ملك". أفقدتني المفاجأة القدرة على الكلام وامتلأ قلبي رعباً، ولكنه أكمل قائلاً: "ها أنا الآن في عقر صومعتك وقد وصلت إليك، كذلك هناك آخرون يستطيعون ذلك، فأنت هنا لست بعيداً عن الحروب والصراعات.. بل يجب عليك أن تخرج منها وأن تعود لتستكمل الحروب ومواجهة الآخرين".

 

اخترق صومعتي كما اخترق (عرفة) صومعة الجبلاوي –البيت الكبير– لم يفعل عرفة ذلك بهدف قتل الجبلاوي وإنما لكشف سره الأعظم ولكي يطلب منه التدخل لحماية أبنائه من الفتوات ومن الناظر سارق أبنائه.. ولكن الجبلاوي مات إثر إحساسه بالخطر وأن هناك من استطاع الوصول إليه واختراق أسوار بيته العالية.. كذلك هو، لم يخترق عزلتي بهدف إيذائي ولكن كي ينصحني بالتغيير والخروج من العزلة.. فالعزلة ليست الحل الأفضل بل هي الحل الأسهل.. أشعر بزلزال في أفكاري وفي حياتي.. هل أستمر هنا في عزلتي بعيداً عن الناس الذين لن يتركوني أعيش بسلام بعيداً عنهم، أم أخرج من صومعتي وأعود لرقعة الشطرنج حاملاً درعاً أخفي خلفه الشرخ الذي بداخلي، مستعداً للحرب، مستعداً للموت، متظاهراً بالقوة حتى لو كنت ضعيفاً مكسوراً وبأنني لا أخشى الهزيمة.. فالهزيمة في ميدان المعركة أشرف بكثير من الهزيمة داخل صومعتي.

 

نصحني بالخروج حتى لو كنت مرتدياً قناعاً أخفي به حقيقتي.. أخفي به ضعفي.. المهم أن أخرج.. جلست مع نفسي أفكر فيما قاله.. شعرت بهول موقفي وخطر عزلتي وخطر خروجي مرة ثانية.. حسدت الجبلاوي على موته، وقتها تمنيت أن تنتهي الحياة وأن أتخلص من رقعة الشطرنج كلها.



16 June 2009

أولاد الشوارع


كلنا صادفنا أولاد الشوارع في طريقنا إلى العمل أو البيت، ورأيناهم هنا وهناك.. بعض الناس يشمئز منهم، وبعضهم يخاف منهم، والبعض الآخر يعطف عليهم، وهذا العطف يتمثل في إعطائهم بعض القروش القليلة.. ولكن، هل فكر أحد بهم؟ أين ينامون؟ كيف يقضون الليل؟ ماذا يأكلون؟ كيف هي حياتهم؟ ما هي مشاكلهم؟ وكيف أن أعظم مآسيهم هي البحث عن لقمة العيش، ومواجهة الجوع والبرد، والبحث عن أي مكان آمن للهروب من الذل والخوف والليل ووحشيته الآدمية؟

 

أعتقد أن الإجابة ستكون: لا، طبعاً لم يفكر أحد منا في كل هذه الأسئلة! لقد تناسينا أنهم بشر مثلنا ومن حقهم الحياة، وأننا مسؤولون عنهم ومشاركون فيما وصلوا إليه، حتى المجرمون منهم فهم في البداية ضحايا؛ ضحايا ظروف اقتصادية وفقر طاحن ومشكلات نفسية أسرية جعلتهم يهربون إلى الشارع الذي أراه غابة بمعنى الكلمة.. غابة بشرية تملؤها الوحوش الآدمية.. فماذا ينتظر المجتمع من هؤلاء الأطفال؟

 

إن أطفال الشوارع من أهم المشكلات الاجتماعية التي يجب البحث عن حلول فعالة وإيجابية وجذرية لها، ويجب التعامل معهم على أنهم ضحايا وليسوا مجرمين.

 

وأشيد هنا بالمجهود الرائع الذي بُذل في مسلسل (أولاد الشوارع) بطولة حنان ترك وعمرو واكد، هذا المسلسل الذي كشف النقاب عن حياة أولاد الشوارع وعن مشكلاتهم ومعاناتهم، وكذلك الجرائم والانتهاكات التي تُرتكب في حقهم من جهات كثيرة، أولها أسرهم، ثم أقسام الشرطة، وحتى الملاجئ التي من المفترض أنها خُصصت لحمايتهم وتقديم الرعاية لهم، ولكن الواقع شيء آخر.

 

لقد كان المسلسل واقعياً جداً حتى في نهايته، فلم يكن مثل المسلسلات الأخرى التي نشاهدها والتي تفصلنا عن الواقع الذي نحياه، ولم يتزوج البطل من البطلة كالمعتاد في السيناريوهات العربية التي تناست الظروف المحيطة بالشخصيات؛ فالواقع يفرض قيوداً على الناس لا يستطيعون تجاوزها، حتى الحب لم يستطع تحطيم هذه القيود.. فعلى الرغم من أن البطل (عمرو واكد) الشاب الثري، طالب الجامعة الأمريكية، أحب زينب (حنان ترك) وهي فتاة من أولاد الشوارع، إلا أنه لم يستطع الزواج منها.

 

ومن المشاهد الكثيرة التي فاضت معها مشاعري، ذلك المشهد الذي يعلن فيه البطل لزينب عن حبه لها، ويعلن أيضاً أنه لن يستطيع الزواج بها، وأنهم لو كانوا في عالم آخر أو زمن آخر لربما استطاع فعل هذا.. وقد سحرتني حنان ترك في هذا المشهد حيث تجسدت المشاعر المتناقضة في آن واحد: الفرحة والحزن مع الابتسامة والدموع.. وأتساءل: متى سيتم عرض هذا المسلسل على القنوات المصرية؟

 

وقد شاركت آمال ماهر بغناء تترات المسلسل، من ألحان ياسر عبد الرحمن وموسيقاه التي أثرت المشاهد، وهذه كلمات أغنية مقدمة المسلسل :

 

قلب الشوارع بوابات وحديد وعيال كتيرة تايهة مادة الإيد ارحم يا سيد أو بيه وقول هل من مزيد؟ دول مهما كانوا عبيد.. ولاد شوارع

وابكي يا عيني ع اللي ماله أم ترحم وتفهم شكوته وتضم وابكي وسيبيني يا عيني ع اللي ماله أب ازاي هيعرف حتى معنى الحب؟

قلب الحجر بيلين إلا انت يا إنسان اللي احنا عطشانين عطف وحب وحنان

يا خالق الإحساس ف الوحش والاشخاص حنن قلوب الناس على اللي لسه صغار

قلبي البريء محروم م اللقمة والضمة امتى هييجي اليوم واحضنك ياما؟ حسيني جسيني سمي على جبيني نار الفراق تهدى بين غربتي وبيني

قلب الشوارع بوابات وحديد وعيال كتيرة تايهة مادة الإيد ارحم يا سيد أو بيه وقول هل من مزيد؟ دول مهما كانوا عبيد.. ولاد شوارع.


15 February 2009

أدركتُ الخطأ


يجلس على مكتبه منهمكاً في عمله كعادته.. وحيداً كالعادة حيث يفضل الابتعاد عن الآخرين.. علاقاته بهم سطحية لا تتطور لأمور شخصية.. فهو لا يحب أن يتدخل في حياة الآخرين ولا يحب أن يتدخل الآخرون في حياته.. تدخل عليه وتحييه قائلة بصوتها الغليظ:

  • ممكن أقعد معاك شوية؟
  • آه طبعاً.. ثواني أجيبلك كرسي.
  • لا لا خليك.. أنا هجيبه بنفسي.

 

تجلس أمامه.. يتبادلان الابتسامات دون كلام.. تملأ الدهشة عقله.. فهم ليسوا بأصدقاء.. فقط السلام هو الشيء الوحيد الذي يدور بينهم دائماً.. كذلك اندهش من رد فعلها بخصوص المقعد وأنها رفضت أن يحضره لها وأصرت هي على القيام بذلك.. سحبت أحد المقاعد البعيدة واقتربت من مكتبه وجلست أمامه ثم بدأت هي الكلام قائلة:

  • مكتبك حلو فعلاً.
  • شكراً، هو صغير صحيح بس أنا فعلاً بستريح فيه.. كمان بعيد عن الناس، يعني مش بحب الدوشة وكده.
  • تمام.. قولي عملت إيه امبارح في الفالانتين؟
  • ولا حاجة.. خرجت شوية مع واحد صاحبي وخلاص.. إنتي عملتي إيه؟
  • مفيش، كان يوم عادي جداً.. أنا وخطيبي خرجنا اليوم اللي قبله وقعدنا في كافتيريا.
  • كويس قوي.
  • إحنا مالناش في موضوع الرومانسية قوي والكلام ده.
  • غريبة!!
  • لاء بجد صدقني.. إحنا بنحب بعض جداً وعلى فكرة إحنا أصحاب قبل ما نكون أحباب.. ولا يمكن إني أبعد عنه بأي شكل من الأشكال حتى لو موضوع ارتباطنا مش كمل ومتجوزناش.. هيفضل في حياتي ومش ممكن نبعد عن بعض، وهيفضل حد مهم في حياتي.

 

ينظر إليها بدهشة.. يرى كلامها غريباً ومختلفاً.. ربما لأنها بنت.. يرد عليها قائلاً: ده شيء كويس وجميل.

تصمت هي قليلاً ثم تكمل: تعرف إن أي ارتباط مش لازم يكون قايم على الحب.. حتى في القرآن ربنا قال : (وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً) مقالش أحباباً.. يعني الحب والرومانسية والأفلام دي مش الأساس.. صدقني لو العلاقة قايمة ع الحب بس هتلاقيهم بعد أسبوع واحد من الجواز بيتخانقوا مع بعض.

 

ينصت إليها بدون تعليق.. ولكنه ينظر إليها بفضول واهتمام لسماع المزيد، وتكمل قائلة:

  • تعرف إن فيه ناس كتير جداً حاولوا وبيحاولوا يوقعوا بيني وبين خطيبي.. يمكن غيرة أو حسد.. لأننا مع بعض من سنين ومتفاهمين جداً.. صحيح بيننا خلافات ومشاكل وكل حاجة.. بس أنا وهو في دايرة واحدة.. مشاكلنا بتبقى بيننا وبس.. لو حتى هنموت بعض.. مش مهم.. المهم مفيش حد يتدخل بيننا.. ولو حد فكر إنه يتدخل أكله بسناني وأقوله مالكش دعوة.. حتى لو كانوا أقرب الناس.. حتى لو كانوا أهلنا.

 

ازداد إنصاته لها.. يتطابق كلامها مع حالة يعيشها هو.. يحاول الهروب بعينيه منها حتى يخفي ذلك اللمعان الذي ظهر في عينيه نتيجة لدموع كتمها داخله بكل الطرق محاولاً منعها من الخروج أمامها وقال:

  • تعرفي إن كلامك ده فكرني بكلام واحد صاحبي.
  • بص مش هقولك إني بحب خطيبي علشان هيتجوزني ويبقى جوزي وكده.. لا لا خالص.. أنا بحبه لأنه أبويا وأخويا وابني، وأنا زي ما قلتلك حتى لو لا قدر الله موضوعنا مكملش عمري ما هبعد عنه.

 

لم يعلق على كلماتها بشيء.. فقد امتلأ عقله بالأفكار والذكريات.. فنهضت واقفة مبتسمة قائلة:

  • طيب مش عاوز حاجة؟ وأنا أسفة إني ضايقتك.
  • لا لا بالعكس.. أنا متشكر ليكي.

 

انصرفت تاركة إياه حائراً.. تساؤلات كثيرة تدور بعقله.. لماذا جاءت إليه؟ لماذا دار هذا الكلام بينهم؟ لماذا قصت عليه تفاصيل علاقتها بخطيبها؟ إنهم ليسوا بأصدقاء.. هل ما حدث هو رسالة مقصودة وأن القدر أرسلها إليه لتعطيه درساً في الحياة؟؟

 

لم يستمر في حيرته طويلاً.. أخرج هاتفه المحمول وكتب إليه رسالة قصيرة بأنه أدرك الخطأ.



30 January 2009

أصداء النداهة



يسير الاثنان سوياً في الطريق، صامتَين، لا يدور بينهما أي حوار، لكن عقولهما تزدحم بالأفكار. يحاول "كريم" أن يتقرب منه واضعاً يده فوق كتفه كالمعتاد، فيزيح الآخر يده بعيداً عنه. يحزن كريم لكنه يداري حزنه؛ لا يفهم ما جريمته، ولِمَ كل هذا الغضب الذي يعتلي الآخر؟ يقتربان من إحدى إشارات المرور، حيث السيارات المسرعة التي يخاف منها كريم. يسير الآخر وحده عابراً الطريق، متجاهلاً كريم، غير مهتم به؛ لا يخاف عليه مثلما كان يفعل دائماً حين كان يمسك يده، وأحياناً يضع يده حول خصره ليعبرا الطريق سوياً. جرى كريم خلفه وعبر الطريق، لكن إحساساً باليتم ملأ قلبه.

 

سار بجوار الآخر، وأحياناً خلفه، والآخر لا يلتفت ناحيته، وكريم يخاف النظر إليه وهو في تلك الحالة. يتذكر كريم المشهد الأخير من فيلم "النداهة"؛ حيث يسير شكري سرحان ومن خلفه ماجدة، تحمل على أكتافها وزر جريمة لم ترتكبها حين اغتصبها أحد مخدوميهم، وتحملت هي وزر الجريمة وعقابها بالنفي من البلدة التي عشقتها. يقرر زوجها أن يعودا إلى بلدتهما، فتخلع ماجدة ثوبها الجديد الذي ارتدته في هذه المدينة التي تعلقت بها رغم كل سلبياتها، وترتدي الثوب الذي جاءت به، وتسير خلف زوجها منكسة الرأس. أمام محطة القطار تقف ماجدة، ويقف كريم.. لم يشعر شكري سرحان بها، ولم يشعر الآخر بكريم. تهرب ماجدة من شكري سرحان وتتوه في الزحام، بينما لا يستطيع كريم الهروب ويقف مكانه. يلتفت شكري سرحان حول نفسه باحثاً عن ماجدة فلا يجدها، ثم يلتفت الآخر للخلف فيجد كريم يقف بعيداً عنه، فيعود إليه ويسأله: "وقفت ليه؟". يجيب كريم حزيناً: "مفيش"، ويكملان سيرهما.

 

في نهاية الطريق، يخيره الآخر ما بين حبه له وبين وجود أصدقاء في حياته. تصيب الدهشة كريم، فيجيب بأنه لا مجال للمقارنة بين الاثنين، وليس هناك "اختيار"؛ فكلاهما مهم وضروري. يستشيط الآخر غضباً، فلا يقوى كريم على النظر إليه؛ فالعيون عند الغضب تكون مرعبة، ومنذ الصغر وكريم يكره العنف والغضب ويخاف العيون الغاضبة. يتحدث الآخر كثيراً، بينما يشعر كريم بالبرد الشديد، ولا يقوى على الاختيار ولا الكلام. يتهمه الآخر بالهروب، وبأنها طريقته المعتادة في حل المشكلات. لم يعد كريم قادراً على الصمود أكثر من ذلك، ركب العربة عائداً لبيته؛ يجتاح البرد كل خلية من جسده، ويملؤه الإحساس باليتم.


Popular Posts