09 September 2007

بين البراءة والخبرة: رحلتي في التصالح مع الذات


تتكون شخصية الإنسان نتيجة لتداخل عوامل كثيرة، سواء كانت عوامل ذات أهمية أو حتى عوامل ثانوية؛ فالبيئة، والمستوى الاقتصادي والاجتماعي، وشكل الأسرة (سواء كانت كبيرة أو صغيرة)، وشخصية الوالدين وطريقة تعاملهما مع الطفل، والمدرسة وما بها من معلمين وزملاء، والجيران، وحتى التلفزيون وما يشاهده الإنسان من برامج ومسلسلات، كل ذلك له تأثير في تكوين شخصيته، بالإضافة إلى عوامل كثيرة جداً لا يمكن حصرها.. كل تلك العوامل تساهم وتؤثر بشكل ما في تكوين شخصية الإنسان.

 

وسواء كانت الشخصية جيدة أو سيئة، إيجابية أو سلبية، فلن يجتمع الناس على رأي واحد في حكمهم على شخصيتك أو انطباعهم عنها.. فستجد من يراك جيداً ويحبك، وستجد من يراك سيئاً وينفر منك.. وتلك طبيعة بشرية لا نقاش فيها، حيث لن يجتمع الناس على وصف واحد أو انطباع واحد لشخصيتك.

 

ولكن، هل يدفعك هذا إلى تغيير شخصيتك، أو التزييف، أو ارتداء أقنعة مختلفة حتى ترضي كل الأذواق؟ نعم، كثير من الناس يفعلون هذا، ويحدث ذلك بعد دخولهم عالم الكبار أو مرحلة الخبرة.

 

في الماضي، كنت حساساً جداً لانطباعات الناس عن شخصيتي، ولو أن شخصاً ما انتقد شيئاً فيّ، أبدأ في تأنيب نفسي وجلدها لأنها السبب في هذا العيب أو تلك الجزئية التي قد لا يرضاها هذا الشخص، الذي قد لا يمثل لي أي شيء في حياتي، أو ربما يكون الدافع وراء نقده لي هو الغيرة أو الكراهية. ولكنني لم أكن أفكر أبداً في شخصية هذا الناقد الذي ربما يكون ممتلئاً بالعيوب، وأجدني فقط ألوم نفسي على تلك الصفة التي لم تعجب الآخر، ناسياً أنه ربما تكون هذه الصفة نفسها هي سبب إعجاب أشخاص آخرين بشخصيتي.

 

وهكذا استمر بي الحال متخبطاً بين الناس، لا أستطيع إرضاءهم جميعاً. لم يكن الدافع وراء محاولات التغيير أن أرضي الناس، بل كان الدافع أنني تمنيت أن أكون إنساناً جيداً أمام نفسي وأمام الآخرين، ولكن هيهات! لم أشعر بسعادة مطلقاُ؛ كان نقد واحد كفيلاً بأن يمحو أي أثر للسعادة في حياتي، تاركاً حزناً داخلياً ومحاولات يائسة للتغيير، محاولاً القضاء على هذا العيب، لينتهي بي المطاف بسجن نفسي بعيداً عن الناس، بعيداً عن نقدهم، وبعيداً عن عيونهم.

 

بالطبع، تولد داخلي شعور بكره الذات وعدم الثقة بالنفس، وكان يزداد مع مضي الوقت، إلى أن قرأت عن شاعر يدعى (وليم بليك)، وهو شاعر إنجليزي كانت له وجهة نظر في الحياة ترى أن الإنسان يمر بمرحلتين في حياته:

  • الأولى: هي مرحلة البراءة (Innocence).
  • الثانية: هي مرحلة الخبرة (Experience).

وفسر أن المرحلة الأولى هي مرحلة الطفولة والنقاء والطهارة، أما المرحلة الثانية فهي مرحلة الكبار والزيف والمكر وكل ما يطرأ على الإنسان من تغير بعد دخوله عالم الخبرة. ومن أشهر قصائده: (The Lamb) و (The Tyger)، حيث يرمز لمرحلة البراءة بالحمل، ويرمز لمرحلة الخبرة بالنمر.

 

بعد قراءتي لهذا الشاعر فهمت ما أعاني منه؛ إنني ما زلت أعيش في المرحلة الأولى ولم أصل للمرحلة الثانية، وكانت معظم الانتقادات الموجهة لي هي أنني أتعامل مع الآخرين ببراءة وعفوية، وأنني أقرب للأطفال في طريقة تعاملي مع الناس. وكنت أكره هذا وأتمنى وأحاول أن أصير مثل باقي الناس وأدخل عالم الكبار (عالم الخبرة)، ولكني فشلت.

 

بعد ذلك، بدأت أفكر: كيف لي أن أسمح للآخرين بأن يلومونني على أنني لم أكبر ولم أصر مثلهم؟ أليس ما يعيشونه من زيف وقسوة ومكر وخديعة يعتبر أبشع العيوب؟ كيف لي أن ألوم نفسي لأنني ما زلت أحافظ على براءتي وطفولتي داخلي؟

 

بعدها بدأت أحب نفسي وأتقبلها، ولم تعد وجهة نظر الناس في شخصيتي تهمني، ولم أعد أنزعج من النقد؛ لأني أعلم أن هناك من يحبني كما أنا، بدون أي تغيير أو تعديل في شخصيتي. بدأت أرضى بحياتي في المرحلة الأولى ولا أتمنى أن أتغير لأدخل عالم الخبرة.. وأتمنى للجميع أن يتخلصوا مما يعانون منه، وأن يعودوا إلى المرحلة الأولى حيث البراءة في التعامل، وحيث لا أقنعة، ولا خداع، ولا مكر.. فقط الحب والسلام.

 





08 July 2007

خوفاً من الفقد: لماذا نتجمل بالكذب؟


قد يدفعنا الخوف من فقدان علاقة، سواء كانت صداقة أو علاقة حب، إلى الكذب أو حتى التجمل بإخفاء بعض الحقائق والمعلومات الصحيحة عن حياتنا الواقعية؛ مثل العمر الحقيقي، أو المستوى الاقتصادي أو الاجتماعي لنا، أو تلك الأشياء التي نعتبرها من عيوبنا، وذلك حرصاً على استمرار تلك العلاقة الجديدة وعدم فقدان هذا الإنسان الجديد في حياتنا.

ولا يكون القصد هنا هو خداع الطرف الآخر أو الاحتيال عليه، ربما هو فقط الخوف من الحقيقة التي قد لا يتقبلها الطرف الآخر والتي ربما تؤدي إلى إنهاء العلاقة، قد يكون ذلك هو الدافع وراء الكذب أو التجمل أمام الآخر.

ولكن قد يفعل البعض هذا ناسين أن هناك من يبحث عن إنسان بنفس مواصفاتك، وبتلك الأشياء التي نعتبرها عيوباً نخجل منها وربما نحاول إخفاءها عن الطرف الآخر. فمثلاً، لو كنت ترى أن عمرك هو عيب من عيوبك وتعتقد أن أحداً لن يعجب بك وأنت في مثل هذا العمر، ولذلك تحاول أن تكذب في عمرك الحقيقي مدعياً عمراً أصغر؛ لماذا لا تعتقد أن هناك من يبحث عن إنسان في نفس عمرك؟ وأنك لو كنت أصغر قليلاً أو لو كذبت عليه وادعيت سناً أصغر لن يعجب بك؟ وبهذا تكون قد فقدت إنساناً يحب حقيقتك وليس ما تدعيه، وهذا ينطبق على باقي الأشياء التي نعتبرها عيوباً في شخصيتنا.

فليس هناك إنسان خالٍ من العيوب، وليس هناك إنسان كامل على الأرض. الشيء المهم هو أن تجد من يتقبل عيوبك ويحبك كما أنت بدون تجمل أو كذب أو ادعاءات، ولا تنظر إلى عيوبك على أنها عيوب، فليس هناك مقاييس ثابتة للجمال، ولا يتفق البشر في الميول والأهواء. ولو دققت في طبائع البشر ستجد العجب؛ فهناك من يهيم بعشق النحافة وهناك من لا يحبها ويفضل السمنة، وهناك من تجذبه البشرة البيضاء وهناك من لا يحبها ويهيم عشقا بأصحاب البشرة السمراء، وهكذا.

لذلك أدعوكم إلى تقبل ذاتكم كما أنتم؛ لست أدعو إلى عدم الاهتمام بالمظهر أو عدم العمل على تحسين شخصيتنا والنهوض بها، ولكن أن نتقبل أنفسنا كما هي بدون ضيق، وأن نتقبل ما نراه عيوباً في شخصيتنا، فما نراه عيباً ربما يراه آخر ميزة فينا. ولا تحزن إذا فقدت هذا الإنسان الجديد في حياتك لأنك كنت صريحاً معه، ولكن قل لنفسك إنه ليس الشخص الصحيح أو المناسب لك، وهذا ليس عيباً، فليس هناك إنسان يحبه كل الناس، لهذا ابحث عن الإنسان الذي يتقبلك كما أنت.

لهذا دعونا لا نكذب ولا نتجمل.. فما أجمل أن تقوم العلاقات بين الناس على الصراحة والوضوح!


15 March 2007

ابنُ الخيال.. رصاصة الخوف


صحيحٌ أنه ليس ابني الذي أنجبته، ولكن منذ خمس سنوات عندما وُلد، كنتُ أنا أول شخصٍ حمله بعد ولادته. كبّرتُ وأذّنتُ في أذنه وقرأتُ بعض آيات القرآن. كنتُ سعيدًا جدًا بقدومه، وأحسستُ أنه ابني الذي لن أنجبه.


كنتُ دائمًا أحمله على الرغم من أني كنتُ أخشى الأطفال الصغار، كنتُ مسؤولًا عن طعامه وشرابه، وكنتُ أغني له حتى ينام، ولم يكن ينام إلا على صدري. بيني وبين نفسي اعتبرتُه ابني؛ لأنني ليس عندي أملٌ في الزواج.


ومع مرور الوقت، أصبح جزءًا من حياتي، وأهم شخصٍ لي في هذا العالم، وشاركني كل شيءٍ حتى غرفتي. أنا سابقًا لم أكن أسمح لأي شخصٍ باستخدام أي شيءٍ خاصٍ بي، حتى إنه أصبح يعرف أماكن أشياء في غرفتي أنا لا أعلمها، وحين لا أجد شيئًا أريده كنتُ أسأله هو، فأجد عنده إجابة كل شيء. لقد ملأ حياتي وأحسستُ أن الله بعثه لي.


أوقاتًا كنتُ أتحدث معه في بعض همومي، كنتُ أعرف أنه لا يفهم شيئًا أو لن يفيدني بشيء، إلا أنه إحساسٌ بأن هناك مَن يشاركك مشاكلك.

ولكن طبعًا مع الوقت وحاجته للعب، وأيضًا سيطرة أمه، جعلته يخرج من دائرتي قليلًا، وبدأت أوقاتي معه تقل؛ بسبب عملي وحضانته ولعبه مع أولاد الجيران الأكبر منه. كنتُ دائمًا أحذرهم وأقول لهم: "لا تجعلوه يلعب مع أولادٍ أكبر منه في السن"، ربما خشيةً مني عليه، وخصوصًا ولد كنتُ أعرف أنه سيء؛ لأن تربيته سيئة نتيجةً لأبيه وأمه السيئين، ولكن أم هذا الولد كانت صديقة أم ابني، وبذلك لن ترضى بمنع ابنها عن اللعب مع ابن صديقتها.


ولكن كانت هناك أوقاتٌ تجمعني مع ابني، وخصوصًا أوقات ما قبل النوم وأوقات تناول الغداء، فقد كان ينام معي، فكما قلتُ كان يشاركني غرفتي.


منذ شهرين وعند عودتي من العمل، ومثل كل يوم سألتُ عنه، وعلمتُ أن أمه قد سخّنت ملعقةً ووضعتها على رجله وكوته بها؛ لأنهم اليوم وجدوه مع بنت الجيران وكان يحضنها ويفعل فعلةً غير لائقة، كما قال: "مثل بابا وماما".


وطبعًا كل الناس هنا عاقبوه سواء بالضرب أو الكلام، إلا أنا أخذتُ الموضوع عاديًا، ولم أبدِ أي تعليق، وتناولنا الغداء سويا ومكث معي باقي اليوم، ولكن كانت هناك بسمةٌ داخلي؛ فقد نجح فيما فشلتُ أنا فيه! وبعد ذلك، هذا لعب أطفال، أي أن الموضوع لا يستحق أن يُكوى بالنار، وأيضًا أنَّبتُهم على عقابه بهذا الشكل العنيف.


أما اليوم، عدتُ من العمل وسألتُ عليه، قالت أمه إنه نائمٌ بعدما ضُرب ضربًا مبرحًا. دخلتُ أوقظه وإذا به ينظر لي نظرةً لم أفهمها، اعتقدتُ أنه خائفٌ وأنه اعتقد أن أمه ستضربه مرة ثانية، فأنا لم أضربه أبدًا قبل هذا.


ولكني طمأنته وحملته بين ذراعيّ، وذهبتُ أُعدّ الغداء، وسألته: "لماذا ضربتك أمك اليوم؟" قال إنه لن يخبرني، وبعد إلحاحٍ مني قال لي إنها ضربته لأنه خرج إلى الشارع مرتديًا الجوارب، وتعجبتُ: أهذا سببٌ يستحق الضرب عليه؟!


ووضعتُ الطعام على النار وذهبتُ لمعاتبة أمه، ووجدتها تقول لي إن ما قاله خطأ، وأن ما حدث أنه كان يفعل فعلةً غير لائقة مع ابن الجيران، وقد ضُرب ضربًا مبرحًا وثارت أم الولد الثاني، وعندما سألوه: "مَن قال لك أن تفعل ذلك؟" قال: "كريم".


نزلت الكلمة فوقي كالصاعقة، لم أستطع أن أنطق، وانصرفتُ من أمام أمه ورجعتُ إليه مرة أخرى. كان يسمع حواري مع أمه، وعندما عدتُ إليه وجدته مختبئًا خلف الأريكة.


دخلتُ إلى المطبخ ولم أكلمه، جهّزتُ الغداء ووضعته على المائدة، وطلبتُ منه الجلوس لتناول الطعام، وسألته: "أقلتُ لك أن تلعب هكذا وتفعل هذه الأشياء؟ أو هل لعبتُ معك هكذا؟" لم يجب ونظر إلى الأرض، قلتُ له: "تناول غداءك، ولا تأتِ إلى هنا مرة ثانية، ولن تنام معي بعد الآن".


وفعل ما قلته له دون كلام؛ تناول الغداء وانصرف، وجلستُ أنا أفكر لماذا قال ذلك؟

ربما لأنه متأكدٌ أنني لن أعاقبه مثل الآخرين، ربما قال ذلك لأني دائمًا أدافع عنه، واعتقد أنه عندما يقول "كريم" فإن هذا سيحميه من العقاب؛ لأني حقًا لم أعاقبه سابقًا أبدًا، حتى وإن أخطأ وسبّني كنتُ أمزح معه فقط وأعلمه أن هذا خطأ، وأني سأخاصمه أو أغضب منه، ويعتذر وينتهي الموضوع دون عقابٍ بدني كما تفعل أمه أو الآخرون.


لا أدري.. كل ما شعرتُ به هو مرارةٌ في حلقي، وإحساسٌ بأني متهمٌ اليوم.

لن اسمح له بالمجيء إلى هنا مرة أخرى، لن أحضنه أو أقبّله بعد الآن، لن يبقى جزءًا من حياتي، لن يكون ابني كما تخيلت.. فهو ليس ابني.


لا أعلم.. كل ما أشعر به أنه لم يعد ابني بعد الآن، وأن ابني مات اليوم، أما هذا الطفل فهو مجرد صورةٍ منه.

والآن دموعي تتساقط، ولكني لا أدري؛ أهي دموعٌ لفقدانه؟ أم هي دموع تلك التهمة التي ألصقها بي مَن كان ابني، ربما هربًا من عقابه؟

لا أدري ماذا أفعل!



18 February 2007

عن حب يفرقه البعد وتجمعه الوعود


ومرَّ عيد الحب..

صحيح أنني لم أكتب منشورًا بهذه المناسبة، ربما لأنني لم أكن سعيدًا لأكتب، أو ربما لأن الحاسوب كان معطلًا منذ يوم "الفالنتين"، وكأنه يحتج هو الآخر بطريقته لكوني وحيدًا! نعم، كنت وحيدًا في ذلك اليوم، ويبدو أن "عم فالنتين" لم يعرف عنواني ليزورني، ويقول لي: "هابي فالنتين يا واد يا كريم".

المهم، أنا لست غاضبًا منه ولا شيء، ولكنني أقول له: يا ليت تشرفني العام القادم، ويا ليت ترسل لي بريدك الإلكتروني أو عنوانك لأرسل لك هدية ومعها عنواني؛ لأنني خلاص يا "عم فالنتين" لم أعد قادرًا.. كفى أن أقول للناس "هابي فالنتين" ويبقى قلبي وحيدًا وحزينًا.

 

عمومًا، اتصل بي (م. م) صباح يوم "الفالنتين" الساعة 11 صباحًا تقريبًا ليقول لي "هابي فالنتين"، لم أكن أتوقع هذا الاتصال منه. وقلت له إنني سأتصل به ليلًا لأنني كنت في الشارع ولم أكن قادرًا على التحدث معه. وفي الليل هاتفته، وقال لي إنه سيدخل إلى الإنترنت.. وفعلاً قابلني على الإنترنت بعد فترة وجيزة، وسألني إذا كنت غاضبًا.. قلت له: ولماذا أغضب؟ يا سيدي عادي، ها نحن عائشون وخلاص، حب ماذا؟ أنت لا تريد أن تكون علاقتنا مجرد علاقة جنس وخلاص؟ يعني عندما تكون مثارًا جنسيًا نتقابل وخلاص؟ بلا حب بلا كلام فارغ! طبعًا لم يكن ذلك حقيقة ما بداخلي.

 

قال لي: لا، وأنه يحبني جدًا، وأنه لا يريد أحدًا غيري، ولا يريد مقابلة أحد غيري لأنه يشعر أنني نصيبه. طبعًا كلام جميل... أليس كذلك؟ وفي مناسبة جميلة أيضًا، ولكن.. هو كلام، مجرد كلام. أعتقد لو أن هناك شخصًا يحب شخصًا هكذا، لا يستطيع أن يبتعد عنه لمدة ثلاثة شهور!

 

قلت له: أنا أيضًا لا أستطيع أن أعرف شخصًا غيره، ولكنني لا أستطيع أن أتقبل هذا البعد وعدم الاهتمام، وأشعر أنني بالنسبة له أخر شيء في حياته، وأنا لا أقبل هذا. وأعطيته فرصة ليفكر بينه وبين نفسه: ماذا أكون بالنسبة له؟ وأين أنا في حياته؟ ووعدني بأنه سيفكر جيدًا، وأنه سيخبرني بالرد في أقرب لقاء، ولكنني لم أعرف أقرب لقاء هذا سيكون بعد كم شهر أو كم سنة!

 

الغريب أنه اتصل بي يوم الجمعة الساعة الرابعة مساءً وسألني: أين أنت؟ أجبته: في البيت. قال لي إنه يريد أن يأتي لزيارتي.. أجبته: حسنًا، ولكن لابد أن أخرج الساعة السادسة. واتفقنا أن نتقابل خارج البيت. اعتقدت أنه ينوي أن يقضي معي تلك الليلة، لم يفعل هذا سابقًا.. ولم أكن أدري ما موقفه الآن، ولكنني لم أشغل بالي بالتفكير كثيرًا. خرجت وقابلته، وذهبنا سوياً إلى مكان ما وتحدثنا، وتمشينا قليلاً ومكثنا نتحدث. وأخذ يبرر لي... لا أدري، شعرت أنه حزين. قال لي إن مشاعره نحوي ليست رد فعل لمشاعري تجاهه، وأنه حزن عندما قرأ المنشور الخاص بذلك الموضوع، وحكى لي عن أنه لا يملك الحرية المطلقة، وأن والديه يقيدان حريته إلى حد كبير، وأنه لا يريد أن يبتعد عني.

 

سألته: هل ستنام عندي الليلة؟ اعتذر لأنه لا يستطيع ذلك. ووعدني ألا يغيب عني لمدة طويلة.. ووعدني أن يكون حبه لي من أولويات حياته. جلسنا سوياً في مكان ما.... ثم مضى كل منا إلى بيته. لا أدري.. أشعر أن مشاعري مختلطة.

 


09 February 2007

لا أريد حباً بطعم "رد الفعل"


حينما تعشق شخصاً آخر، لا بد لك أن تتأكد من إجابة هذا السؤال: هل هو يحبك لأنك تحبه؟

لأنه لو كان حبه لك مجرد رد فعل لحبك له، فالأفضل ألا تكمل هذه العلاقة؛ وذلك لأن مقدار حبه لك متوقفٌ على مقدار حبك له. أي إنه بمقدار ما تمنحه من حبٍ سيمنحك بالمقابل (هذا طبعاً إذا كان منصفاً وليس أنانياً).

بمعنى أنه إذا قل حبك له في يوم من الأيام، سيقل حبه لك في المقابل. وإذا غضبت منه مثلاً لسبب ما، أو عاتبته، أو حدث أي موقف مؤلم بينكما، فتوقع أن حبه لك سيقل أو قد ينتهي!

لأن سبب وجود حبه قد انتهى، وهو حبك له؛ حيث يجب عليك دائماً أن تظهر حبك له حتى يستمر حبه لك. ممنوع الزعل... ممنوع الخصام... ممنوع الاعتراض؛ لأن كل هذا يهدد حبه لك.

لذلك، يجب علينا جميعاً أن نسأل من نحب ذلك السؤال: أنت بتحبني عشان أنا بحبك؟

وأتمنى أن تكون إجاباتهم بالنفي، وأن يكون حبه لك لأنك "أنت"، وأنت بالذات! شخصيتك، كلامك، شكلك، قلبك، روحك... يحب فيك كل شيء تتصف به، وليس مجرد رد فعل على حبك له. نعم، يجب أن يكون الحب متبادلاً بين الطرفين، ولكن لا يجب أن يكون حب طرفٍ منهما نتيجةً لحب الطرف الآخر.

وهذا ما حدث بيني وبين (م. م)؛ لذلك قررت أن أنهي هذا الحب، لأني لا أريد إنساناً حبه لي مجرد رد فعل لحبي له.

 


04 February 2007

المواجهة الصامتة


ذهبتْ أمي اليوم لزيارة خالتي، وعند عودتها دخلت حجرتي وقالت لي:

  • خالتك كلمتني عن بنت حلوة مخلصة كلية، وهنروح النهاردة عندهم نشرب شاي ونتعرف بيهم، ولو عجبتك نتكلم.

أجبتها وقد تعبتُ من كثرة الحوار في هذا الموضوع: أنتِ شوفتيها؟ قالت: لاء، بس خالتك بتقول إنها حلوة قوي. أجبت: خلاص روحي أنتِ شوفيها الأول. قالت: لاء لازم تبقى معانا، خالتك هتروح تقولهم إننا هنروح نزورهم بعد المغرب وتشوفها.

  • يا ماما مينفعش، وبعدين الجو النهاردة وحش قوي، أجّلي الموضوع ده ليوم تاني.
  • لاء هو النهاردة.
  • طيب خلاص مش رايح خالص، أنا مش هخرج من البيت في الجو الوحش ده.. ولو سمحتِ سيبيني لوحدي ورايا حاجات بعملها ع الكمبيوتر.
  • مش ماشية إلا لما أعرف هنروح النهاردة ولا بكرة؟
  • يا ماما ولا النهاردة ولا بكرة.. مش هتطير يعني العروسة!

بانفعال شديد قالت: أنت فيك إيه؟ ولاد الجيران اللي أصغر منك اتجوزوا، والأصغر عمالين يقولوا لأهلهم إنهم عايزين يتجوزوا، وأنت مش بتقول إنك عاوز تتجوز.. أنت مرة؟  ( مرة تعني امرأة بالعامية المصرية).

شعرت بقلبي ينقبض وكأن خنجرًا غُرس في ظهري، لم أستطع الإجابة أو الرد عليها، ولكني أجبتها: قولي لخالتي إننا هنروح نزورهم يوم الثلاثاء.

وطلبت منها الخروج من الحجرة، وجلست وحدي أبكي أمام شاشة الكمبيوتر. تتقاذفني مشاعر النقص، والضعف، والغضب، والرغبة في الاختفاء من هذا العالم الذي لا أنتمي إليه، أو الذهاب إلى مكان بعيد أحيا به وحيدًا.

وها قد بدأت المشاكل وبدأت المواجهة.. أيها العالم لا أريد سوى أن أحيا تلك السنوات المقدرة لي هنا، لم أطلب غير حقي في الحياة.

طوال حياتي منذ أن أدركت أني مختلف وأنا أخشى تلك اللحظة.. طوال حياتي أتمنى عدم المواجهة.. طوال حياتي تمنيت أن أبتعد عن هنا خوفًا من تلك المواجهة.

فكرت جديًا أن أبتعد عن هنا لكني لم أنجح، كل محاولاتي كانت فاشلة.. تمنيت أن أجد أي عمل في أي مكان بعيد حتى لا أتعرض لتلك المواجهة.. لكني لم أنجح.

لا أدري كيف ستكون حياتي في الأيام القادمة؟!

 


30 January 2007

رسالة إلى مَن لا يشعر بنا


كثيراً ما أجد موضوعات تخص المثليين على الإنترنت، سواء كانت تدوينات شخصية أو مقالات في مواقع أخرى.

والغريب في الأمر، أنك تجد الإقبال والتعليقات بأعداد كبيرة ملفتة للنظر، وطبعاً الكل يندد بالمثليين ويلعنهم، وكأنهم أول وآخر الآثمين في هذا العالم، أو كأنهم أعداء البشرية، والعدو المشترك لمن لا عدو له!

والكل يشعر بالواجب فيترك تعليقاً لا يخلو من كلمات السباب والشتائم. لا أدري إن كان هذا نتيجة للإحساس الزائد بالتدين، وأن الناس كلهم أصبحوا ملائكة ما عدا المثليين، أم أن المرء بهذا التصرف يحاول نفي الذنب عن نفسه، وإبعاد الشك في أنه ينتمي إلى هذه الفئة من الـ...؟

من ماذا؟

صراحة، بعد هذا الكم الهائل من تعليقات الآخرين على موضوع المثلية، أشعر بأننا لا نتحدث عن بشر؛ أحياناً أشعر أنهم يتحدثون عن كائنات فضائية، أو حيوانات أرضية! (أعتذر، ولكن أحدهم قال إن المثليين هم الطبقة السفلى ودعاهم للعودة إلى جحورهم، وأعتقد أنه هنا يتحدث عن فئران).

أيها السادة، إليكم هذا التوضيح: نحن بشر مثلكم، لنا آباء وأمهات وإخوة... ولنا جيران وزملاء، نعيش في عالمكم، نأكل ونشرب مثلكم. نخاف، ونشعر، ونحس، ونبكي، ونندم، ونصلي، وندعو الله... ولكننا نعاني من عيب أو مشكلة، كَبُرت أم صَغُرت ليس هذا هو الشيء المهم، المهم أننا ما زلنا بشراً ننتمي إليكم.

انظر حولك جيداً، ربما أكون ابنك، أو أخاك، أو قريباً لك، أو جارك، أو زميلك في العمل. كل هذه الاحتمالات ليست بعيدة، كلنا نحيا معكم... لكننا نخافكم، ونداري عيوبنا كما تدارون أنتم عيوبكم الأخرى. لستم ملائكة... ولسنا شياطين، كلنا بشر ذوو أخطاء متساوون.

أرجو منكم أن تتركونا وما نعانيه من آلام وأحزان، فلسنا بحاجة إلى مواجهات معكم. كفانا ما نعانيه من أنفسنا ومشاعرنا، فلسنا نحيا حياة اللهو والترف والجنس كما تتخيلون.

أعرف أنه حتى بعد كلماتي هذه لن تفهمونا ولن تقدروا حجم مشكلتنا، ولكن لدي سؤال: ماذا سيكون موقفكم إذا رُزقتم بولد مثليّ؟ كيف ستتعاملون معه؟

(ملحوظة: ليست المثلية مرضاً يُنقل أو يُورث، أو نتيجة لتجربة جنسية أو تحرش جنسي في الصغر، فلا أحد يعلم حتى الآن أسبابها الحقيقية).

كيف سيكون رد فعلكم؟





21 January 2007

لما أِكبر هتغير!


كنت طفلاً صغيراً... لا يفهم شيئاً في الحياة سوى أنه يشعر بأنه مختلف... مختلف عن أصدقائه في الهوايات وفي الطباع؛ يميل أكثر للهدوء وللمكوث في البيت ومشاهدة التلفزيون... لا يحب كرة القدم، بل يفضل اللعب بالعرائس... يهوى أعمال المنزل ويحب النظام والنظافة... يميل لكل ما هو جميل... لا يحب الفوضى. يميل لمشاهدة الرجال الوسيمين ويتمنى أن يصبح مثلهم عندما يكبر.

كان المعلمون هم أول من لفتوا انتباهي، كنت أُحب وأُعجب بمعلميّ في المدرسة.. كنت أتمنى أن يصبح أحدهم أبي... في أوقات كثيرة كنت أخطئ وأنا أحدث أحدهم فأقول له: "أبي"... ربما لنقص الإحساس بالأبوة أو حنان الأب... نعم، هو كان موجوداً ولكن لم يكن له وجود.

وعندما وصلت للمرحلة الإعدادية، ومع ظهور علامات البلوغ... وبداية مرحلة المراهقة التي نمر بها جميعاً، ومع بداية الأفكار الجنسية.... بدأت الكارثة:

لم أجد نفسي مثل أقراني وزملائي. لم أجد في النساء أو البنات ما يجذبني ويشد انتباهي. بل وجدت نفسي أهيم عشقاً برجل -كان جارنا- كلما رأيته ينتفض قلبي عشقاً له. وعندما أُسلم عليه باليد كنت أطير فرحاً. تمنيت أن أقبله، أن أتذوق طعم لعابه. كان ضيفي دائماً في الأحلام، حيث هناك كان يتحقق كل ما كنت أتمناه أن يحدث في الواقع.. كل شيء فيه كان يجذبني إليه؛ بداية من شعر رأسه إلى أصابع قدميه. بدأت حياتي تنقلب. بدأت أشعر بالإثم... ما هذا الذي بداخلي؟ لماذا لست مثل أصدقائي؟ لماذا الرجال وليس النساء؟

بدأت أتقوقع حول ذاتي. أصبحت انطوائياً لأقصى درجة، خوفاً من أن يكتشف أحد ما في داخلي من حب وعشق لهذا الرجل.

بدأ الإحساس بالإثم يجتاحني.. والخوف من الله.. والإحساس بأني من أهل النار.

تخيل طفلاً يشعر بكل هذا ويعيش وحيداً في هذه الصراعات! يخشى أن يخرج أي شيء من داخله، أو يشكو أو يفضفض بسره لأحد.. طفل يخشى الله والناس والآخرة.

تخيل طفلاً يحمل كل هذه المشاعر داخل صدره الصغير. وحده يحمل كل هذا.. مسكينة نفسي تلك.. تحيا صراعاتها منذ نعومة أظافرها.. كلما ضاقت بي الدنيا وضاق صدري وعقلي عن التفكير.

كنت أقول لنفسي... لما أِكبر هتغير وهبقى زي باقي الناس.

 


Popular Posts