قال تعالى في
كتابه العزيز: (وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً)؛ أي إن من شروط
استمرار الزواج الأساسية هي توافر هذين الركنين الأساسيين (المودة
والرحمة)، وليس الجنس والأولاد كما يشيع في الموروث المجتمعي من أنه يجب الاستمرار
في العلاقة الزوجية من أجل الأولاد.
والآية القرآنيّة
من بدايتها تشتمل على ثلاثة أمور تعد الأساس للعلاقة الزوجية، وهي: (السكن النفسي، والمودة،
والرحمة). الأول هو السكن النفسي ويعني الاطمئنان والراحة النفسية، وكم هي عظيمة
السعادة والاطمئنان حين يجد كل من الرجل والمرأة على السواء شريكاً له في مسيرة
الحياة، يفضي إليه بمكنون أسراره، ويطمئن إليه، ويجد راحته النفسية بجواره.
والأمر الثاني هو
المودة.. وتعني الحب الذي يربط ويؤلف بين القلوب، فهو من أسمى العواطف في العلاقة
الزوجية الحميمة التي لها قدسيتها وحرمتها. والأمر الثالث هو الرحمة، والرحمة تأتي
على رأس منظومة القيم الأخلاقية.
ولكن ما نشهده هذه
الأيام من انتشار جرائم القتل بين الزوجين يعد جرس إنذار للجميع، ليعيد المجتمع
ترتيب أوراقه وأفكاره التي قد تكون السبب غير المباشر خلف هذه الجرائم، مهما تعددت
الأسباب المباشرة وراء كل قضية من تلك القضايا.
ولذا، على المجتمع
أن يستوعب حقيقتين هامتين:
- الحقيقة الأولى: أن الزواج ليس الشكل الأوحد الناجح
في الحياة، والزواج ليس هدفاً في حد ذاته، بل الهدف هو الوصول إلى
السعادة والراحة النفسية والسكن النفسي، والسعادة والسكن النفسي يختلفان من
شخص لآخر. فهناك الكثيرون من البشر يجدون سعادتهم في الوحدة بعيداً عن ضغوط
وأعباء الحياة الزوجية؛ فلا تضغطوا على جميع الأشخاص للزواج على أساس
أن الزواج واجب أو فرض أو حتى الشكل الاجتماعي الوحيد المقبول، فكل إنسان
يعرف الطريق والأسلوب الأنسب لحياته.
فلا تجعلوا
الزواج هدفاً في ذاته، ولا تجعلوه النمط الأوحد المقبول مجتمعياً،
ولا تضغطوا على الكثيرين لخوض هذه التجربة بدون استعداد نفسي ولا تقبّل
للموضوع. بالطبع لا أقصد المثليين فقط في هذه النقطة، فهناك الكثيرون من الأشخاص
المغايرين لا يرغبون في الزواج لأسباب كثيرة مختلفة، من كل الفئات ومن كل
المستويات، وحتى من علماء الدين.
(تستطيع قراءة كتاب
"العلماء العزاب الذين آثروا العلم على الزواج" للكاتب عبد الفتاح أبو
غدة).
أعتقد أنه إذا
تخلص المجتمع من هذه الثقافة الإجبارية الضاغطة على الأفراد للزواج وخوض تلك
التجربة غير المرغوب فيها من جانب بعض الأفراد، سيتم التخلص من 75% من
التجارب الزوجية الفاشلة المنتهية -على الأقل- بالانفصال والطلاق.
- الحقيقة الثانية: التي يجب أن ينتبه لها المجتمع هي
كيفية اختيار شريك الحياة.. وهذا ليس بالأمر الهين، فالموضوع ليس اختيار قميص
أو فستان يعجبني شكله وأستطيع شراءه فقط، وإن لم يعجبني بعد ذلك استطعت
الاستغناء عنه وعدم لبسه أو حتى إلقاءه في القمامة.. لو أدرك كل مشترٍ
أن هذا القميص أو الفستان سوف يلتصق به للأبد ولن يستطيع التخلص منه، أو أنه
سيكون سبباً في موته، لفكر ألف مرة قبل اختيار هذا القميص أو الفستان، وذلك
لاختيار الأنسب والأصلح له.
لذا يجب على
المجتمع بكل قنواته وإمكاناته أن يبث تدريبات وإرشادات وتوعية بطرق مباشرة وغير
مباشرة عن كيفية انتقاء شريك الحياة الأنسب والأصلح لكل فرد، وليس اختيار الأجمل
ولا الأكثر أناقة ولا الأغنى.. الشريك الذي سوف تتوافر معه الشروط الثلاثة السابق
ذكرها: (السكن النفسي، والمودة، والرحمة).
أما من لا يستطيع
الزواج ولا يريده فهو حر في اختياراته.. وإذا وجد السكن والمودة والرحمة مع نفسه
أو مع صديق أو أي كائن آخر فهو حر في اختياراته.. المهم أن يعيش في سلام نفسي مع
نفسه ومع باقي المجتمع دون ارتكاب جرائم تنهي حياته وحياة الآخرين. حفظنا الله
وإياكم من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا.


No comments:
Post a Comment
اشكرك على إهتمامك وتعليقك .. والإختلاف في وجهات النظر شئ مقبولة ما دام بشكل محترم ومتحضر .. واعلم أن تعليقك يعبر عنك وعن شخصيتك .. فكل إناء بما فيه ينضح .