نبذة عن القصة
:
يستعرض النص
قصة إنسانية مؤثرة يرويها الكاتب عن صديق له، كان دائم الذكر والتعلق بأمه الراحلة
وعاطفتها الاستثنائية التي نعتها بـ "الست شادية"، وهي امرأة ريفية
مصرية بسيطة وغير متعلمة، لكنها امتلكت وعياً وفطرة إنسانية تفوقت بها على نظريات
التربية الحديثة.
يؤكد النص أن "القبول الأمومي الفطري" الذي قدمته الست
شادية حمى الابن من الصراع النفسي المشوّه، وجعله متصالحاً مع ذاته، قادراً على حب
نفسه والعالم دون الحاجة للبحث عن اعتراف من الآخرين".
القصة :
كنا نعرف اسم «الست شادية» قبل أن نعرف اسم صاحبنا نفسه.
في كل حشد، وبين كل زحام، كان يطرح
اسمها كعشبة نافعة وسط حديث عابر؛ يذكره بنبرة تفيض بدفء خاص لا تخطئه الأذن. في
البداية، ظننت الأمر مجرد عاطفة شرقية متضخمة نحو الأم، فكلنا نحب أمهاتنا، لكن
أحداً منا لا يمرر اسم أمه في كل تفصيلة يومية بهذا التجلي. ثم جاء ذلك اليوم الذي
عرفت فيه أن الست شادية لم تعد هنا.. إنها تحت التراب منذ سنوات. حينها فقط، فسّرت
الأمر على أنه مجرد ظلال لفقد قديم لم يندمل.
غير أن اللقاء الأخير لم يكن كغيره.
كنا نخوض حواراً دافئاً في جَلسة
أصدقاء، ندور حول الحوادث التي صنعتنا والندوب التي تركت أثراً في أرواحنا. كان
متوقعاً أن يلتف الحديث ليصل إلى ساحة «الست شادية»، لكن المفاجأة تلظّت في نبرة
صوته هذه المرة.
كان يصفها بعينين تلمعان: ربة منزل
مصرية، بسيطة، تشربت من تراب الأرياف وحكمته، لم تطأ قدمها مدرسة، وتزاحم في بيتها
الأبناء. هكذا تراها العين العابرة. لكنها في وجدانه كانت شيئاً آخر؛ ملكة تمشي
على الأرض، محاربة من طراز قديم، أو ربما إلهة فرعونية كـ «حتحور» تجسد الحب، أو
«نوت» وهي تبسط حنانها كسماء تحمي طفلها.
سرح قليلاً، ثم أخذنا إلى طفولته
البعيدة.
كان صبياً يرزخ تحت ثقل المقارنة
المستمرة بينه وبين أخته الأصغر؛ كانت أجرأ منه، وأغمق بشرة. وفي بيئة لا ترحم،
أصبحت بشرته البيضاء مادة يومية للسخرية واللوم. وفي لحظة قلق طفولي، التقط أسطورة
شعبية من أقرانه في الشارع: «المشروب الذهبي مع شمس الظهيرة يمنحك لوناً داكناً«.
لم يفكر مرتين. سكب علبة «البريل» على
جسده الغض، وقفز إلى السطح ليتسمر تحت شمس حارقة. وعندما أبصرته أمه، هالها المشهد
وسألته بذهول الفلاحة الذكية: "عملت في روحك كده ليه يا بني؟"
رد بصوت مخنوق: "عايز أسمَرّ زي
أختي.. عشان يرحموني وما حدش يتريق عليّ."
لم توبخه، ولم تضحك من جهله الصغير.
جذبت جسمه الملزّج إلى صدرها المترسخ بالدفء، وقالت بهدوء يقينِيّ: "أنت مش
محتاج تغير لونك ولا جلدك.. لا تتغير عشان حد، خَليك زي ما ربنا خلقك.. صنع ربنا
هو الأجمل."
صمت صمتاً قصيراً، وكأنه يسترجع رائحة
ذلك الصدر، ثم استطرد:
"كبرتُ، ووصلتُ إلى
أعتاب المراهقة. ظهر في حياتي صديق مقرب؛ كنا نتقاسم الوقت والأسرار. وفجأة، بدأت
أشعر برغبات تسري في داخلي لم أعهدها.. مشاعر بكر تتفتح ببطء، ورغبة بسيطة في أن
ألمس يده. كانت رحلتي الأولى في اكتشاف ذاتي وميولي."
أكمل بصوت أكثر خفوتاً: "لكن الست
شادية كانت تملك رادارات خارقة لا تخطئ. يومها، جلست أمامي، ونظرت في عيني بحديث
حنون وسألتني: "سر تعلقك بصاحبك إيه يا بني؟"
لم أستطع الكذب؛ سحرها أطفأ أي رغبة في
الهروب. فتحت لها قلبي وصارحتها بصدق. توقعت صراخاً، بكاءً، أو حتى صدمة يتبعها
عقاب.. لكن شيئاً من هذا لم يحدث. احتوتني بعينيها، وتقبلت الكلمات بوقار أمومي
نادِر، ثم قالت لي بنبرة هادئة: "لا تجعل هذا الحب يشغلك عن دراستك ومستقبلك."
هنا لم أستطع كتمان دهشتي، فقاطعته
مستغرباً: "هذا أغرب رد فعل يمكن أن تصدره أم مصرية أمية وبسيطة! كيف تفسر
هذا الاستيعاب؟"
ابتسم وقال: "المحبة تغلب دائماً
يا صديقي. الست شادية كانت امرأة عرفت الحب بقلبها قبل عقلها. أحبت أبي وعشقته،
وتحدت عائلتها لتختاره هو بظروفه الصعبة. طاردت الحب وحاربت لأجله، ولهذا عندما
رأت الحب في عينيّ -حتى لو كان مختلفاً- عرفته فوراً ولم تحاربه."
سألته بشغف: "وماذا عن والدك؟ أين
كان من كل هذا؟"
أجاب: "رجل طيب وبسيط إلى أقصى حد،
لكنه لم يمتلك حدسها، ولم يرقَب الإشارات كما فعلت هي.. وهي بدورها كانت تصونه
وتحترمه، فظلت تحمي سرّي بحكمة."
تابع وهو ينظر إلى الفراغ: "قبولها
لي ولميولي هو ما أنقذني. جعلني أتقبل ذاتي منذ اللحظة الأولى، ولم أذق مرارة
الصراع النفسي الداخلي الذي يمزق معظم أفراد (الكوير) ويترك في أرواحهم تشوهات لا
تندمل. قبول الست شادية أغناني عن البحث عن القبول في عيون الغرباء.. جعلني شخصاً
يعرف كيف يُحب ويمنح الحب للجميع."
حينها، قفزت إلى ذهني مقارنة صارخة،
فقلت له: "حديثك عن أمك ينقلني فوراً إلى فيلم Prayers for Bobby. تلك الأم الأمريكية «ماري»
التي اكتشفت ميول ابنها «بوبي»، لكنها طاردته بالنصوص والتزمت والعلاج النفسي
لتغيره، حتى دفعته إلى الانتحار. ولم تفهم إلا بعد فوات الأوان، لتقضي ما تبقى من
عمرها محاربة لتوعية العائلات كي لا يكرروا مأساة ابنها."
ثم التفتُّ إليه وسألته: "إذا كانت
أمك قد صنعت الفارق العظيم بعكس ماري تماماً.. لو أتيحت لك الفرصة الآن لتقف وتوجه
خطبة لكل عائلات مجتمع الميم، ماذا ستنصحهم؟"
تنهد ببطء، وكأن روح الست شادية هي من تتحدث
على لسانه، وقال: "سأقول لهم جملة واحدة: حبوا عيالكم واقبلوهم زي
ما هُما.. لما عيالكم هيتحبوا منكم، هيحبوا العالم، ولما يتقبلوا منكم، هيطلعوا
أشخاص رائعين."

