كلنا نعرف موقف الدين
من المثلية ورأيه فيها؛ من حيث كراهيتها وتحريمها وعقابها، والرفع من جُرمها إلى
أعلى المراتب، فليس هناك جريمة تُرتكب على وجه الأرض يهتز لها عرش الرحمن إلا
المثلية (حسب المفهوم السائد)، فلا الزنا، ولا الاغتصاب، ولا قتل الآخرين، ولا
التلاعب بأرواح الناس، ولا الغش الذي يؤدي إلى الموت، ولا أي جريمة أخرى يهتز لها
عرش الرحمن.
ومن الغريب أنه ليس
هناك ذنب أو معصية أخرى تلتصق بها باقي معاصي الدنيا غير المثلية؛ فمثلاً لو كان
هناك شاب متدين ولكنه يرتكب معصية كالزنا، فسيقول له الآخرون: "اصبر" أو
"تزوج" أو "صلِّ بعد ارتكاب المعصية ليغفر الله لك" وهكذا.
أما إذا كان الذنب أنه مثليّ، فستجد أن هذا الذنب قد التصقت به كل ذنوب الأرض من
كفر وإشراك بالله، وأنه من أهل النار، وماذا سيقول لربه عندما يقابله! وأنه ملعون
ومنبوذ ويهز عرش الرحمن، ولن تُقبل له صلاة ولا أي عمل خير يفعله لأنه مثليّ.
وبالطبع، فإن وجهة
النظر هذه لها مردودها وانعكاسها على كلٍّ من المغايرين (باقي الناس) والمثليين
أنفسهم:
ستجد المغايرين
يكرهون المثليين ويحتقرونهم، أو على الأقل لا يحبونهم، أو قد لا يتخيلون أن هذا
الفعل ممكن الحدوث، وبالطبع فإن ردود الأفعال تختلف من شخص لآخر. لنفترض أنك أخبرت
صديقاً لك بسرك العظيم؛ أنك مثليّ، فمهما كانت علاقتك به وقربك منه، فإنه لن
يتقبلك صديقاً أو حتى شخصاً يعرفه، وسوف ينسى كل ما فيك من خصال حسنة، وربما يؤوّل
كل تصرفاتك السابقة معه على أنك كنت تتحرش به مثلاً، حتى لو لم تكن تضعه في بالك
مطلقاً، وسوف ينسى كل المواقف التي جمعتكما سوياً كأصدقاء، وفقط يراك في جهنم وأنت
تُعذّب لأنك مجرم.
بالتأكيد تتباين ردود
الفعل وتختلف حسب شخصية الشخص المغاير، ولكن الشيء الأكيد أن معظم ردود الفعل
ستكون في نطاق أنكم لن تعودوا أصدقاء كما كنتم، وذلك لارتباط المثلية بتلك الأفكار
التي ينشرها الدين.
أما انعكاس نظرة
الدين للمثلية على المثليين أنفسهم، فهذه هي المشكلة الكبرى والأهم بالنسبة لنا
(وهنا أيضاً ستتباين وتختلف ردود فعل المثليين أنفسهم، كلٌّ حسب شخصيته): فتجد المثليّ منذ
اكتشافه وإدراكه لهويته الجنسية وميوله المختلفة عن الآخرين، يكون أكثر الناس
اهتماماً بالبحث والقراءة والاطلاع على موقف الدين من المثلية، والمصيبة الكبرى
تحلّ عندما يكتشف هذا الموقف العدائي له.
فتجده لا يعرف ماذا
يفعل، فهو لم يختر ما هو فيه، وليس له يد في ذلك، فكيف له أن يُعاقب على مشاعر
داخله؟ يبدأ المثلي في كره نفسه، ويبدأ في الانعزال عن العالم، ويبدأ في جلد ذاته
على ما بها من اختلاف، وأنها هي سبب كل شقائه الذي يحياه، ويبدأ في السؤال والبحث
عن كيفية التخلص من هذا الداء الذي ابتلاه الله به؛ فيجد علماء النفس الشرقيين
تدور طرق علاجهم حول محور الترهيب من المثلية، والعمل على كراهيتها والتنفير منها،
وذلك عن طريق استخدام وجهة نظر الأديان من المثلية والعذاب المنتظر في الآخرة،
بجانب محاولة الارتباط أو إقامة علاقة جنسية مع الجنس الآخر. فيبدأ المثلي هنا في
التقرب إلى الله والدعاء إليه بأن يبدّل نفسه، ويصلح العيب الذي بداخله، وأن يغير
ميوله ويعدل من قلبه الذي هو سبب شقائه، ولا أدري كم تطول هذه الفترة حتى يستجيب
الله، أو حتى ييأس المثلي من الدعاء.
وهناك رد فعل آخر:
ربما لا يكره المثلي نفسه ولكنه يكره الناس والمجتمع؛ هذا المجتمع الذي لا يقبله
ولا يعترف بحقه في الحياة، ولا بآدميته، ولا بمشاعره وحبه الذي يشعر به لإنسان من
بني جنسه، بل ويحقره وربما يعاقبه على هذا.
وقد يكون رد الفعل
بشكل آخر: فهناك من يستطيع أن يخدع المجتمع وأن يُرضي نفسه في ذات الوقت، فتجد أنه
يمثل دور المغاير أمام الناس، ويتزوج وينجب، وبجانب هذا الشكل الاجتماعي تجده
يمارس المثلية، وغالباً هذا النوع لا يبحث عن علاقة ثابتة مع مثليّ، فهو فقط يريد
إشباعاً مؤقتاً لرغبته التي تلح عليه من وقت لآخر، وبعد ذلك يعود إلى حياته التي
يعيشها أمام الناس، حتى تغلبه مشاعره مرة أخرى ويكرر ما فعله سابقاً، وهكذا.
وآخر شكل من ردود
أفعال المثليين تجاه موقف الدين منهم، هو أن يكره المثلي الدين ويتخلص من كل
أوامره ونواهيه، وقد يصل الأمر إلى إنكار وجود الله، وبهذا يكون قد تخلص من أي
إحساس قد يسبب له الحزن أو الاضطراب في حياته، وربما يجد المثلي في الإلحاد منفذاً
للحياة وتخلصاً من كراهية الدين له، وهذا ما دفعني اليوم لكتابة هذا الموضوع،
وداخلي تساؤل وعلامة استفهام كبيرة أتمنى أن نصل إلى إجابة شافية لها:
هل المثلية والتدين
خطان متوازيان لا يمكن أن يتلاقيا؟
كلنا نعرف، كما شرحت
سابقاً، أن المثلية ارتبطت في أذهان الناس بكل الذنوب الأخرى، وبالطبع فهذا تصور
خاطئ تماماً؛ فليس معنى أن هناك إنساناً مثلياً أنه سوف يرتكب باقي ذنوب الأرض،
وإذا كان هذا الإحساس موجوداً داخل بعض المثليين، فالمجتمع هو المسؤول الأول عن
هذا التصور الخاطئ، وهو المسؤول عن زرع هذا المفهوم الخاطئ داخل أنفس المثليين
أولاً والمغايرين ثانياً.
لماذا المثلية
والتدين خطان متوازيان؟ لماذا لا يصح أن أتدين وأنا مثلي؟ لماذا أتدين وأتقرب من
الله فقط حينما أتمنى أن أتخلص من مثليتي؟ لماذا يجب أن ألجأ إلى الله لكي يغيرني
ويبدل قلبي هذا؟ لماذا ترتبط المثلية في عقول الناس بالمجون والانحلال والفسق
والفجور؟
لماذا لا نتقرب من
الله فقط لأنه الله، وأنه يجب علينا عبادته؟ إذا اعتبرنا المثلية كمرض أو كعاهة
أصيب بها أحد الشباب، لماذا يتقرب من الله فقط لكي يغيره أو يبدله؟ هل هناك مثلاً
شاب أصيب بعاهة كالعرج أو العمى، ويتقرب من الله فقط كي يُنبت له قدماً جديدة أو
يعطيه عيناً أخرى سليمة؟ نعم، المعجزات بيد الله وهو قادر على كل شيء، ولكن لا
داعي لأن يكون سبب تقربنا من الله هو أن يغيرنا ويبدِلنا وأن يجعلنا مغايرين.
خلاصة القول، أتمنى
أن يتغير مفهوم المثلية والتدين داخل المثليين والمغايرين أيضاً، أتمنى أن يتلاقى
الخطان سوياً (المثلية والتدين). أتمنى أن نتقرب من الله لأنه خالقنا، وليس فقط
لكي يغيرنا ويبدل نفوسنا؛ لأن في هذه الحالة لن يكون تقربك منه إلا لغرض وهدف،
وإذا لم يتحقق هذا الهدف ستجد نفسك تبتعد عنه، لا بد أن نتقرب من الله لأنه
الخالق، ونعبده بدون هدف أو غاية سوى أنه خالقنا ويجب علينا عبادته.
أما عن الآخرة والجنة
والنار، فكل شيء بيده هو، ودخول الجنة برحمته وليس بقدر أعمالنا، والله هو الأرحم
وهو الذي يستطيع أن يرى ويفهم قلوبنا، نحن لسنا قوم سدوم، إنما نحن نعبد الله
ونوحده ونحبه، ربما تكون هناك نقطة واحدة مختلفة فينا، وهذا من طبيعة البشر، فليس
هناك إنسان كامل، ولا أعتقد أن الله سيرفض تقربنا منه وحبنا له، أهم شيء أن نؤمن
به ونعبده بالقدر المستطاع.

