كلُّ إنسانٍ منا
وُلِد ونشأ وتربى وعاش ومرَّ بظروفٍ مختلفة تماماً عن أي إنسانٍ آخر.. كل هذه
الظروف والتجارب التي خاضها هذا الإنسان تخلق منه شخصيةً فريدةً من نوعها، تلك
التي من المستحيل أن تتشابه مع أي كائنٍ آخر فوق هذه الأرض.. بل إن هذا الاختلاف
والتميز والفردية تجدها أيضاً بين هؤلاء الذين ولدوا ونشأوا وتربوا وعاشوا ومروا
بالظروف نفسها، والاختلاف بينهم هنا يرجع إلى التكوين النفسي الداخلي أو الاستعداد
النفسي لهؤلاء الأشخاص.. قد توجد تشابهات بين بعض الشخصيات، ولكن من المستحيل أن
يوجد تطابق بين الأشخاص.
لهذا، ومن هذا
المنطلق، يجب علينا أن نكون على وعيٍ تامٍ عند دخول شخصين في علاقة حبٍ أو ارتباط،
أنهما سيواجهان شيئاً عظيماً وهو الاختلاف بينهما، ومحاولة الوصول لحالة الاندماج
التي عندها يصل الاثنان لأعلى درجات السعادة.. وإذا نظرتَ حولك ستجد صداماتٍ كثيرة
بين المرتبطين في السنوات الأولى من علاقتهم.. وهذا شيءٌ طبيعي يجب أن يعيه
الطرفان، ويكونَا على استعدادٍ تامٍ لمواجهة هذا الاختلاف وصولاً للاندماج.
وهذا الصدام يرجع إلى
أن كل شخصٍ منا لديه السيناريو الافتراضي والمتوقع من الحبيب أو الطرف الآخر.. هذا
السيناريو الافتراضي الذي تكوَّن طبقاً لظروف وأفكار وميول وتوجهات كل شخصٍ منا..
وتحدث المشكلات والصدامات حينما يسلك الطرف الآخر طريقاً أو تصرفاً أو رد فعلٍ غير
مطابقٍ لما رُسِم في السيناريو الخاص بنا.. وحينما يحدث هذا الاختلاف أو الخروج عن
النص المتوقع، نجد أن ردود أفعالنا تختلف أيضاً كلٌّ منا حسب شخصيته.
قد يحاول البعض لفت
نظر الطرف الآخر إلى أنه أخطأ، وأنه كان عليه أن يسلك هذا الطريق أو يقوم بتصرفٍ
معين أو رد فعلٍ آخر بدلاً من هذا الذي قام به، والذي يختلف تماماً عما نتوقعه
منه.. أو قد يكون رد الفعل أن يصمت البعض منا متمنين أن يفهم الطرف الآخر أن هناك
خطأً ما، فيحاول هو الوصول بمفرده للتصرف أو رد الفعل المتوقع دون أي توجيهٍ أو
إرشادٍ منا للطرف الآخر.
مثال على ذلك: ماذا تفعل إذا أخذ حبيبك الهاتف الخاص بك بدون علمك، وقرأ الرسائل
الواردة إليك، وراجع دليل الهاتف الخاص بك؟ وجاء إليك يواجهك بأن هناك صديقاً أرسل
لك رسالةً ما قد تحوي كلمة حب أو ما يفيد بأنك مقرب له، مع العلم أن هذا الشخص
مجرد صديق لا أكثر، وأنك لا تحمل له أي مشاعر أكثر من كونه صديقاً، وأنت عندما
قرأت هذه الرسالة لم تفهم هذا المعنى الذي يتهمك به الآن؟ كيف سيكون رد فعلك؟
ستختلف ردود الأفعال
تماماً من شخصٍ لآخر.. قد ينفعل البعض ويعترض على المبدأ أساساً في أنه أخذ هاتفك
بدون علمك.. قد يدافع البعض عن نفسه وبأنه ليس هناك أي شيء بينك وبين مرسل هذه
الرسالة وأنه مجرد صديق.. قد يسكت آخر ويبكي لإحساسه بالجرح وأنه مُتهم
بالخيانة... والكثير من ردود الأفعال التي ستختلف باختلاف شخصياتنا.
ولكن، هل خطر في بال
أيٍّ منكم أنه من المفترض أنت أيضاً أن تقوم بالفعل نفسه، وأن تأخذ هاتف حبيبك هذا
وتقرأ الرسائل الواردة إليه وتبحث في دليل الهاتف الخاص به كدليلٍ على اهتمامك به
وحبك له؟ ربما يجيب البعض بالموافقة، وربما يعترض الآخر على هذا.
إذن، فالوصول لمرحلة
الاندماج ليس بالشيء الهين أو البسيط.. فالسيناريوهات لدى كلٍّ منا مختلفة تماماً
باختلاف شخصياتنا.. لذا فما الداعي لوجود هذه السيناريوهات مادامت لن تتطابق مع
تصرفات مَن نحب وأنها ستختلف دائماً؟ أليس من الأفضل أن نهتم بمعرفة الطرف الآخر
واكتشاف شخصيته، واكتشاف إيجابياته وسلبياته، وكتابة سيناريو جديد يتفق مع
اتجاهاتنا واتجاهات مَن نحب؟
لذا يجب على الطرفين
أن يتحاورا ويتناقشا بشكلٍ مستمرٍ ودائم لمعرفة كلٍّ منهما الآخر، تاركين كل
السيناريوهات المتوقعة، وألا يستحوذ طرفٌ منهما على الآخر طالباً من الطرف الثاني
أن يتغير ويتشكل في تصرفاته وردود أفعاله وتفكيره بالصورة الافتراضية نفسها التي
رسمها الطرف الأول في السيناريو الخاص به.. لأنه من المستحيل أن تمحو شخصية إنسانٍ
وتستبدلها بأخرى.. قد يستطيع هو أن يتقمص تلك الشخصية التي كتبتها أنت في
السيناريو الخاص بك لفترةٍ محدودة، كما يفعل الممثلون وقت العمل، ولكن لن يستطيع
أن يستمر لفترةٍ طويلة حيث لابد دائماً أن يعود لشخصيته الحقيقية.. وإذا أصرَّ
طرفٌ من الاثنين على أن السيناريو الخاص به هو الأفضل وهو المثالي وهو الطريق
الوحيد للوصول للسعادة، ففي هذه الحالة ستكون العلاقة بينهما تتجه نحو النهاية
المحتومة.
لذا تخلصوا من
سيناريوهاتكم الافتراضية للحبيب، واكتشف شخصية حبيبك الحقيقية، وحاولا سوياً
الوصول للسعادة –الهدف الأول للعلاقة– عن طريق الاندماج والتغيير في الطرفين..
وإذا لم تتحقق السعادة فالأفضل عدم الاستمرار بها؛ لأنها ستكون سبباً للشقاء
المستمر.

