منذ بدء الخليقة
والإنسان في حروب وصراعات لا تنتهي، وكأن الأرض بُسطت لتصبح رقعة شطرنج، ويقف على
جانبيها الفريقان المتحاربان في حرب لا تنتهي أبداً.. ولكن الملفت للانتباه أن تلك
الصراعات لم يكن الدافع خلفها هو صراع الخير والشر، وهو بالطبع الصراع الأشهر الذي
نجده فقط في قصص الأطفال، ولكن هناك صراعات أخرى وأهداف أخرى قد تكون غريبة ومثيرة
للدهشة.
فمثلاً، ما الدافع
خلف الصراعات القائمة بين الأديان.. ما دامت هذه الأديان تعترف بوجود الله الخالق
الواحد؟ لماذا كانت هناك الحروب الصليبية ولماذا كانت هناك الفتوحات الإسلامية؟
لماذا حتى الآن توجد الأفكار التي تحث على الجهاد والكفاح المسلح باسم الدين؟
لماذا ما زال هناك الطموح اليهودي والحروب الباردة والإرهاب؟ ما دام الكل يعبد
رباً واحداً فما الغاية من الحروب والصراعات؟ لماذا لا يعبده كلٌّ بطريقته التي
يرتضيها ويراها هي الأقرب له؟ هذا مجرد مثال.
وهناك أمثلة كثيرة
لأمور أبسط نجدها في حياتنا اليومية.. صراعات وحروب من أجل فرض رأي أو اختلاف في
رأي، قد نجدها في أمور تافهة مثل كرة القدم والشجار حول الفريق الأفضل، صراعات حول
فرض مكانة اسم عائلة في قرية ما من القرى بسبب شجار بسيط بين الأطفال وقد تصل هذه
الصراعات إلى القتل.. صراعات لا تنتهي، وإذا انتهت إحدى الحروب بسببٍ ما تنطلق حرب
أخرى بهدف آخر، وكأن البشر لم يجدوا سبباً لوجودهم هنا على الأرض إلا لكي يتحاربوا.
لماذا تتحول الحياة
إلى رقعة شطرنج ويجب علينا أن نخوض الحروب بشكل يومي؟ أنا شخص مسالم لا يحب الدخول
في صراعات مع الآخرين، ويبدو أن هذا غير كافٍ لتعيش في سلام هنا.. تعبت جداً
وارتضيت أن أنسحب من تلك الحياة وتركت رقعة الشطرنج لباقي البشر وباقي الفرق
المتحاربة، وارتضيت أن أمكث هناك في صومعتي كملك مهزوم بعيداً عن كل تلك
الصراعات.. التي أرهقت تفكيري وأدمت مشاعري.. كل ما أريده أن تمر تلك السنوات التي
أحياها هنا بسلام.. لا حروب ولا صراعات.. لا أريد مكاسب ولا أريد أن أخسر نفسي..
تركت لهم رقعة الشطرنج بكاملها، تركتها لباقي البشر.
أجد تشابهاً كبيراً
بين عزلتي التي ارتضيتها لنفسي وبين عزلة (الجبلاوي)، إحدى شخصيات رواية (أولاد
حارتنا) للكاتب الكبير (نجيب محفوظ)، حينما قرر الجبلاوي –الجد الكبير– أن يغلق
عليه بيته بعيداً عن كل أحفاده وذريته.. سنوات مرت من حياتي وأنا ها هنا في حجرتي
بعيداً عن كل الناس.. لا أتدخل في حياة الآخرين ولا أريد أن يتدخل أحد منهم في
حياتي، أعيش كملك منسحب من أرض المعركة تاركاً كل ملكه في تلك الحياة للآخرين..
ولكن هل هم رضوا بذلك؟
لا، لم يرضوا بذلك..
لم يكفهم الانسحاب ولا كل تلك الحياة التي لم أعبأ بها.. تقشفت عن حاجتي لوجود
آخرين.. ولكن لم يكن هذا رادعاً لهم فما زالت داخلهم الرغبة في الحرب.. لم يكفهم
الانسحاب والانعزال، فلم يتركوني لحالي هناك، بل زادت لديهم الرغبة للدخول لي في
صومعتي لينهشوا لحمي ويكسروا عظامي.
الانسحاب والانعزال
هزيمة، ألا يكفيهم أن أعترف بذلك؟ ألا يكفيهم نصرهم وتلك الحياة التي أصبحت لهم
وحدهم؟
فاليوم وجدته أمامي
في صومعتي.. عاد بعد فترة طويلة من الغياب.. لم يَعُدْ حباً في الملك المهزوم،
ولكنه عاد كي يقول له "كش ملك". أفقدتني المفاجأة القدرة على الكلام
وامتلأ قلبي رعباً، ولكنه أكمل قائلاً: "ها أنا الآن في عقر صومعتك وقد وصلت
إليك، كذلك هناك آخرون يستطيعون ذلك، فأنت هنا لست بعيداً عن الحروب والصراعات..
بل يجب عليك أن تخرج منها وأن تعود لتستكمل الحروب ومواجهة الآخرين".
اخترق صومعتي كما
اخترق (عرفة) صومعة الجبلاوي –البيت الكبير– لم يفعل عرفة ذلك بهدف قتل الجبلاوي
وإنما لكشف سره الأعظم ولكي يطلب منه التدخل لحماية أبنائه من الفتوات ومن الناظر
سارق أبنائه.. ولكن الجبلاوي مات إثر إحساسه بالخطر وأن هناك من استطاع الوصول
إليه واختراق أسوار بيته العالية.. كذلك هو، لم يخترق عزلتي بهدف إيذائي ولكن كي
ينصحني بالتغيير والخروج من العزلة.. فالعزلة ليست الحل الأفضل بل هي الحل
الأسهل.. أشعر بزلزال في أفكاري وفي حياتي.. هل أستمر هنا في عزلتي بعيداً عن
الناس الذين لن يتركوني أعيش بسلام بعيداً عنهم، أم أخرج من صومعتي وأعود لرقعة
الشطرنج حاملاً درعاً أخفي خلفه الشرخ الذي بداخلي، مستعداً للحرب، مستعداً للموت،
متظاهراً بالقوة حتى لو كنت ضعيفاً مكسوراً وبأنني لا أخشى الهزيمة.. فالهزيمة في
ميدان المعركة أشرف بكثير من الهزيمة داخل صومعتي.
نصحني بالخروج حتى لو
كنت مرتدياً قناعاً أخفي به حقيقتي.. أخفي به ضعفي.. المهم أن أخرج.. جلست مع نفسي
أفكر فيما قاله.. شعرت بهول موقفي وخطر عزلتي وخطر خروجي مرة ثانية.. حسدت
الجبلاوي على موته، وقتها تمنيت أن تنتهي الحياة وأن أتخلص من رقعة الشطرنج كلها.

