15 February 2009

أدركتُ الخطأ


يجلس على مكتبه منهمكاً في عمله كعادته.. وحيداً كالعادة حيث يفضل الابتعاد عن الآخرين.. علاقاته بهم سطحية لا تتطور لأمور شخصية.. فهو لا يحب أن يتدخل في حياة الآخرين ولا يحب أن يتدخل الآخرون في حياته.. تدخل عليه وتحييه قائلة بصوتها الغليظ:

  • ممكن أقعد معاك شوية؟
  • آه طبعاً.. ثواني أجيبلك كرسي.
  • لا لا خليك.. أنا هجيبه بنفسي.

 

تجلس أمامه.. يتبادلان الابتسامات دون كلام.. تملأ الدهشة عقله.. فهم ليسوا بأصدقاء.. فقط السلام هو الشيء الوحيد الذي يدور بينهم دائماً.. كذلك اندهش من رد فعلها بخصوص المقعد وأنها رفضت أن يحضره لها وأصرت هي على القيام بذلك.. سحبت أحد المقاعد البعيدة واقتربت من مكتبه وجلست أمامه ثم بدأت هي الكلام قائلة:

  • مكتبك حلو فعلاً.
  • شكراً، هو صغير صحيح بس أنا فعلاً بستريح فيه.. كمان بعيد عن الناس، يعني مش بحب الدوشة وكده.
  • تمام.. قولي عملت إيه امبارح في الفالانتين؟
  • ولا حاجة.. خرجت شوية مع واحد صاحبي وخلاص.. إنتي عملتي إيه؟
  • مفيش، كان يوم عادي جداً.. أنا وخطيبي خرجنا اليوم اللي قبله وقعدنا في كافتيريا.
  • كويس قوي.
  • إحنا مالناش في موضوع الرومانسية قوي والكلام ده.
  • غريبة!!
  • لاء بجد صدقني.. إحنا بنحب بعض جداً وعلى فكرة إحنا أصحاب قبل ما نكون أحباب.. ولا يمكن إني أبعد عنه بأي شكل من الأشكال حتى لو موضوع ارتباطنا مش كمل ومتجوزناش.. هيفضل في حياتي ومش ممكن نبعد عن بعض، وهيفضل حد مهم في حياتي.

 

ينظر إليها بدهشة.. يرى كلامها غريباً ومختلفاً.. ربما لأنها بنت.. يرد عليها قائلاً: ده شيء كويس وجميل.

تصمت هي قليلاً ثم تكمل: تعرف إن أي ارتباط مش لازم يكون قايم على الحب.. حتى في القرآن ربنا قال : (وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً) مقالش أحباباً.. يعني الحب والرومانسية والأفلام دي مش الأساس.. صدقني لو العلاقة قايمة ع الحب بس هتلاقيهم بعد أسبوع واحد من الجواز بيتخانقوا مع بعض.

 

ينصت إليها بدون تعليق.. ولكنه ينظر إليها بفضول واهتمام لسماع المزيد، وتكمل قائلة:

  • تعرف إن فيه ناس كتير جداً حاولوا وبيحاولوا يوقعوا بيني وبين خطيبي.. يمكن غيرة أو حسد.. لأننا مع بعض من سنين ومتفاهمين جداً.. صحيح بيننا خلافات ومشاكل وكل حاجة.. بس أنا وهو في دايرة واحدة.. مشاكلنا بتبقى بيننا وبس.. لو حتى هنموت بعض.. مش مهم.. المهم مفيش حد يتدخل بيننا.. ولو حد فكر إنه يتدخل أكله بسناني وأقوله مالكش دعوة.. حتى لو كانوا أقرب الناس.. حتى لو كانوا أهلنا.

 

ازداد إنصاته لها.. يتطابق كلامها مع حالة يعيشها هو.. يحاول الهروب بعينيه منها حتى يخفي ذلك اللمعان الذي ظهر في عينيه نتيجة لدموع كتمها داخله بكل الطرق محاولاً منعها من الخروج أمامها وقال:

  • تعرفي إن كلامك ده فكرني بكلام واحد صاحبي.
  • بص مش هقولك إني بحب خطيبي علشان هيتجوزني ويبقى جوزي وكده.. لا لا خالص.. أنا بحبه لأنه أبويا وأخويا وابني، وأنا زي ما قلتلك حتى لو لا قدر الله موضوعنا مكملش عمري ما هبعد عنه.

 

لم يعلق على كلماتها بشيء.. فقد امتلأ عقله بالأفكار والذكريات.. فنهضت واقفة مبتسمة قائلة:

  • طيب مش عاوز حاجة؟ وأنا أسفة إني ضايقتك.
  • لا لا بالعكس.. أنا متشكر ليكي.

 

انصرفت تاركة إياه حائراً.. تساؤلات كثيرة تدور بعقله.. لماذا جاءت إليه؟ لماذا دار هذا الكلام بينهم؟ لماذا قصت عليه تفاصيل علاقتها بخطيبها؟ إنهم ليسوا بأصدقاء.. هل ما حدث هو رسالة مقصودة وأن القدر أرسلها إليه لتعطيه درساً في الحياة؟؟

 

لم يستمر في حيرته طويلاً.. أخرج هاتفه المحمول وكتب إليه رسالة قصيرة بأنه أدرك الخطأ.



Popular Posts