لا
أدري ماذا يحدث لي.. فترة كبيرة مرت حتى الآن وأنا غير قادر على الكتابة..
أصبحت غير قادر على الإمساك بتلك الأفكار التي تراودني بين الحين والآخر؛
تظهر وتداعب عقلي ولكن عقلي يتباطأ عن الإمساك بها -لا أعرف هل يفعل هذا
قاصداً أم بدون وعي- فتطير سريعاً وتحلق بعيداً عنه، فتصيبني حالة من الضيق.. أشعر
بأن عقلي أصبح مثل الأسد العجوز الذي فقد كل أسنانه.
أحاول
جاهداً التوصل إلى أسباب تلك الحالة ولكني أجد أسباباً كثيرة،
تداخلت وتشابكت كي تحجب عقلي وتبعده بعيداً في تلك الحجرة المظلمة حيث لا يستطيع تمييز
أي شيء مما حوله، لا يوجد هناك شيء سوى الإحساس باللزوجة
والعفن، لا أستطيع أن أحيا في تلك الحالة من عدم الوضوح.
أحاول
التوصل لماهية الأسباب فوجدتها تتنوع وتختلف ولكنها في النهاية تتشكل في هيئة قيود
وأثقال!
تتنوع
أشكال تلك القيود ما بين القيود النفسية والاجتماعية والأمنية، اجتمعت كلها في
انسجام وتوافق ضد عقلي لتمنعه من اللحاق بأي أفكار كي يقتنصها، اجتمعت كي تجره إلى
تلك الحجرة اللزجة التي أكرهها.
بدأت
تلك الحالة منذ كتابة قصة "صوت عصفور لا يشبههم"، تلك القصة التي عبرت
عن مشكلة أحياها في الواقع، واخترت ذلك الشكل غير المباشر كنتيجة لبعض
القيود والأثقال التي زادت مع مضي الوقت، من بعدها لم أستطع الكتابة أو
التعبير عما يدور بداخلي من أفكار أو هموم أو أي فكرة أخرى.
ربما
إحساسي بالذنب تجاه من أحب بعدما تعرض لمشكلة ما وحاولت أن أساعده وأدافع عنه،
فخرجت محاولاتي في شكل نيران صديقة أصابته هو، فالخوف الذي أصابني والذعر الذي
تملك كل ذرة مني خوفاً عليه أفقدني كل قواعد المنطق، فكانت محاولاتي لإنقاذه ذات
نتائج عكسية أضرت به وألحقت به الأذى بدلاً من إنقاذه.
أعرف
أنه سامحني وتفهم موقفي، ولكن هل أنا سامحت نفسي؟
أشعر
كأنني كالجندي في المعركة الذي أصاب صديقه بطلقة من بندقيته فأصبح غير قادر على
إطلاق أي طلقات أخرى حتى في اتجاه العدو، فجلس يشاهد صديقه المجروح غير آبهٍ
بما يدور حوله في المعركة.
ربما
من القيود والأثقال الأخرى هي المشكلات العامة التي يعاني منها المجتمع المصري الآن
من فقر وارتفاع في الأسعار وقمع ومهانة وذل، وإحساسي بأنني غير قادر على الخوض في تلك
الأمور خوفاً وحرصاً. فالكل يعرف الآن أن الإنترنت والعالم الافتراضي
الجميل الذي كنا نحلق فيه بعيداً عن هموم الواقع أصبح غير آمن، بل إن هناك قوى
تدعو إلى تقييد هذه المساحة الضيقة من الحرية وفرض الرقابة عليها، حيث لن
يصبح هناك مكان أو متنفس نحيا به بعيداً عن واقعنا المرير.
لا
أعرف كيف أو متى سيتخلص عقلي من تلك القيود والأثقال التي تعوقه عن الكتابة، وأن
يخرج من تلك الحجرة المظلمة، ولكني أتمنى أن يكون هذا قريباً.

