10 September 2008

تحت ظلال الأشجار المحرمة


كلنا نعلم تفاصيل قصة سيدنا آدم عليه السلام وشجرة التفاح. لن أعيد تفاصيلها عليكم، فهي قصة بدء الخليقة وكل الأديان تناولتها في كتبها السماوية. تلك القصة التي تدون أول معصية ارتكبها البشر، تلك المعصية التي تسببت في طرد آدم من الجنة إلى الأرض، وبدء رحلة البشرية هنا فوق الأرض التي نحيا فوقها الآن.

 

كثيرون ألقوا اللوم على حواء وأنها من دفعت آدم لتناول تلك التفاحة وارتكاب المعصية الأولى، وكثيرون ألقوا اللوم على الشيطان الذي وسوس لآدم وحواء حيث أغراهم بفكرة الخلود الذي سيحصلون عليه بعد تناول تلك الثمرة التي ستجعلهم خالدين للأبد.

 

ولكن كلنا نعرف أن الله كان يعلم - فهو العليم بكل شيء - أن هذا سيحدث وأن آدم سيتناول من تلك الشجرة المحرمة عليه، فلماذا إذاً خلق الله تلك الشجرة هناك في الجنة؟ ووضعها أمام آدم وحرمها عليه؟ ألم يكن من الأسهل ألا يخلقها الله حتى لا يعصيه آدم؟

 

سؤال آخر: هل تناول ثمرة تفاح يعتبر جريمة كبيرة بهذا الحجم الذي يستحق عليه آدم وزوجته أن يُطردا من الجنة؟

 

سؤال آخر: خلق الله الأرض قبل خلق آدم، وهيأها له، وقد قال الله لملائكته إنه قد خلق آدم ليسكن الأرض، فقالت له الملائكة إنه سوف يفسد في الأرض، فقال لهم إنه يعلم ما لا يعلمون.. إذاً فقد خُلق آدم في الأساس ليسكن في الأرض وليس في الجنة.. إذاً فهل نعتبر أن نزول آدم إلى الأرض عقاباً له على تناول ثمرة التفاح؟

 

سؤال آخر: في الآخرة وبعد نهاية العالم والبعث والقيام والحساب ودخول الجنة، هل سيكون هناك شجر تفاح في الجنة؟ وهل سيكون محرماً على أهل الجنة أم سيكون متاحاً لهم بدون عقاب؟

 

قرأت في إحدى التفسيرات القرآنية حول قصة سيدنا آدم وشجرة التفاح، وقد أعجبني تفسير هذا الشيخ حيث قال: ليست حواء ولا الشيطان كان لهما دخل في حثّ آدم على تناول ثمرة التفاح، حيث قدّر الله لآدم ذلك. فقد خلق له الله الأرض ليعيش فيها آدم، ولكنه أراد أن يلقنه درساً.. درساً في قوة الإرادة.. لذلك خلق له الشجرة ووضعها أمامه وأمره ألا يتناول منها فذلك يعتبر معصية.. ويظهر ضعف آدم وضعف إرادته.. فيخطئ آدم ويعصي أمر ربه ويتناول من الشجرة المحرمة عليه.

 

هل هذا يعني أن الله قد أخطأ في خلق آدم وأن هناك عيباً في خلق آدم؟ بالطبع لا.. تعالى الله عن ذلك.. فقد خلق الله الإنسان هكذا وهو يعلم نقاط ضعفه وقوته.. لهذا لا نستطيع أن نلوم آدم على ضعفه ولا على خطيئته، ولا نستطيع أن نقول إن هناك خطأً أو عيباً في صُنْع الله.

 

كذلك أراد الله أن يلقن آدم درساً آخر من تلك التجربة التي قدرها الله لآدم: وهو أنه عندما تخطئ يا آدم لابد أن تتوب وتستغفر الله.. كل ذلك كان ضرورياً لإعداد آدم للنزول إلى الأرض حيث البشر الضعفاء الذين سوف يعصون ويقعون في الأخطاء مرة ثانية وثالثة.. ليس ذلك عيباً فيهم أو في خلقهم، ولكن هو امتحان الله لهم.

 

وفي الجنة وبعد نهاية العالم وبعد البعث والقيام والحساب ودخول الجنة.. أعتقد أنه سيكون هناك الكثير من شجر التفاح غير المحرم على سكان الجنة، المتاح لهم في أي وقت يشتهونه فيه.. ذلك لأن القضية ليست شجرة التفاح، ولكنها امتحان الله لإرادة آدم.. والقضية ليست عيب صناعة في آدم، وإنما خلقنا الله ضعفاء لنرتكب الأخطاء لنعود إليه مرة ثانية نستغفره ونتوب إليه.

 

كذلك المثلية الجنسية:

 

كثيرون يقولون إننا اخترنا مثليتنا بأيدينا، وأنه من السهل أن نصبح مغايرين ونعشق الإناث ونشتهيهن.

أقول لهم إن الله خلق داخلنا شجرة المثلية – كشجرة التفاح التي خلقها لآدم وأننا لم نختر زراعتها داخلنا.. وأننا غير مسؤولين عن وجودها داخلنا.. كما كان آدم غير مسؤول عن وجود شجرة التفاح في الجنة.. كذلك حرم الله علينا أن نتناول من شجرة المثلية كما حرم على آدم الأكل من شجرة التفاح في الجنة.

 

نعم، لسنا مسؤولين عن وجود تلك الشجرة داخلنا.. ربما أيضاً نخطئ مثل سيدنا آدم ونتناول من شجرة المثلية.. هل لام أحد منكم آدم لتناول تفاحته؟ هل تلوموننا لتناول ثمرة المثلية؟

 

نعم، خلق الله شجرة المثلية داخلنا، ربما لاختبار قوة إرادتنا الضعيفة.. ربما يريد منا أن نخطئ ونعود إليه تائبين بعدما نخطئ.. والله يعلم أننا سنخطئ كما علم أن آدم سوف يخطئ.

 

يقولون إن الله يخلق كل الناس أسوياء، وأنه لا يمكن أن يخلق الإنسان مثلي الجنس.. نعم، الله كامل ولا يمكن أن يكون هناك عيب في خلقه.. ولكن هناك فرق كبير بين أن نقول إن هناك عيباً في صنع الله، وأن نقول إن الله أراد أن يكون هناك عيب في صنعه (من وجهة نظر البشر).. فالله يخلق أطفالاً أصماء، وأطفالاً عمياناً، وتوائم ملتصقة، وكثيراً وكثيراً من آيات خلق الله.. لا نستطيع أن نقول عن تلك الحالات إنها عيب في صناعة الله، وإنما أراد الله ذلك.. هل نستطيع أن نقول إن هذا الطفل اختار هذا الشكل الذي خُلق به؟ بالطبع لا.. القضية أن الله أراد هذا وصنعه بهذا الشكل.. ليس عيباً في صناعة الله، أو أنه غير قادر أن يخلق هذا الطفل بشكل سوي، وإنما هي مشيئة الله.

 

فلماذا إذاً لا نتخيل أن تكون المثلية من صنع الله؟ وأنها زرعت داخلنا؟ وحرمت علينا في دنيانا كما حرمت شجرة التفاح على آدم في الجنة.. ليس لأن التفاح شيء سيء أو ضار، وإنما لأنها اختبار الله له.. وربما سيوجد شجر المثلية في الجنة غير محرم ومتاح لمن أراده، كما سيوجد شجر التفاح غير محرم ومتاح لمن يريده.

 

سؤال أخير.. لماذا لم يُقدم آدم على اقتلاع شجرة التفاح المحرمة عليه من الجنة؟ هذا الاقتلاع الذي قد يحميه من الوقوع في المعصية التي وقع بها، ولكي يحمي نفسه من الضعف الذي خُلق به.. أليس هذا دليلاً كبيراً على إيمان وتقوى آدم؟ ألم يكن سيرضي الله عنه وقتها؟

 

لماذا تطلبون منا أن نقتلع أشجار المثلية من داخلنا هنا؟ أسيكون هذا دليلاً على إيماننا وأننا بشر أسوياء وأتقياء؟

 

خلاصة القول: لا تلومونا على شيء لم نزرعه داخلنا.. لا تدفعونا لكره أنفسنا واقتلاع تلك الشجرة التي خلقها الله داخلنا.. قائلين إننا بهذا سنكون بشراً مثلكم أسوياء، وأن الله لن يرضى عنا فقط إلا إذا تخلصنا من تلك الأشجار.. معتقدين أن تلك المحاولات شيء ممكن، ولكنه قد يدفع البعض لاقتلاع حياته وقتل نفسه قبل النجاح في اقتلاع شجرة المثلية من داخله.. دعونا نعيش حياتنا تحت أشجارنا بسلام، ربما نتسلق فروعها مرة، ربما نتناول من أوراقها مرة، ربما نضعف ونتناول من ثمارها مرة، لكننا سنظل دوماً بقرب الله ندعوه ونستغفره ونتمنى منه الرحمة والمغفرة.


03 September 2008

ما زال هناك من يحبني


استقلَّ العربة عائداً إلى بيته.. جلس في المقعد الأخير كالعادة بجوار الشباك.. كان ذلك بعدما خرج مع أحد الأصدقاء لشراء بعض الأشياء لهذا الصديق. كان يشعر بالضيق والاختناق من ارتفاع درجة الحرارة، فما زالت العربة واقفة لم تتحرك منتظرة امتلاءها بالركاب.. لم يعبأ بالضجيج المحيط به، ولكنه بدأ في إغلاق عينيه واستنشاق أكبر قدر من الهواء الذي بدأ يهب مخترقاً الشباك، ومن ثمَّ بدأ في استعادة توازنه وهدوئه نتيجة استنشاق الهواء البارد الذي خفف من وطأة الحرارة.

 

أخذ يتأمل البشر من حوله، ومن بين الواقفين في ممر العربة كان هناك شاب يرتدي قميصاً مخططاً بخطوط طولية، وبنطال جينز وقبعة، وكان الشاب يتمتع ببنيان جسدي جيد؛ لم ينجذب للشاب جسدياً ولكنه كان يتأمله فحسب. لم يستمر في تأمله كثيراً، حيث اتجه بنظره إلى اتجاه آخر بعيد عن الشاب، وبدأ يتذكر ما حدث منذ قليل حينما دخل وصديقه أحد محلات الملابس، والتي أعجب صديقه فيها بقميص معروض لم يكن يوجد منه في المحل سوى تلك القطعة التي يرتديها "المانيكان" الواقف في المدخل.. قام البائع بتعرية المانيكان وخلع القميص عنه وأعطاه للصديق الذي دخل حجرة القياس ليجربه.

 

وقف هو هناك في مواجهة المانيكان النصف عارٍ.. يتأمل التمثال.. أعجبته دقة تفاصيل جسد هذا المانيكان، وتمنى أن يمد يده ليلمس هاتين العظمتين البارزتين أسفل الرقبة وأعلى القفص الصدري، تمنى أن يلمس عضلات صدر هذا التمثال، لا شهوةً، وإنما ليكتشف الفرق بينها وبين أجساد البشر الأحياء.. لكنه لم يفعل.. تذكر تلك القصيدة التي كتبها في الماضي عندما أحب شخصاً ما، ولكنه كان يخشى الاعتراف له بالحب، لذلك كتب له تلك الكلمات:

"أتمنى أن أصنع لك تمثالاً

لا أخشى منه الرفض

لا أنشد منه إلا الحب.

أتمنى أن أصنع لك تمثالاً

أو أن أكون فارس أحلامك

لا أخشى منك الرفض

لا أنشد منك إلا الحب."

 

تذكر تلك الأبيات وبدأ يفكر.. في الماضي كان يريد التمثال لأنه يخشى الواقع، ولكنه الآن يتمنى التمثال لأنه كره الواقع.. هل حقاً يستطيع أن يعشق تمثالاً؟ سؤال راود عقله. ولكن ما المانع ما دام هذا التمثال لن يكذب عليه.. لن يخدعه.. لن يهجره.. لن يرفضه.. ما هذا؟ هل أصابه الجنون؟ قاطع تفكيره صوت صديقه الذي خرج من حجرة القياس مرتدياً القميص قائلاً له:

  • إيه رأيك يا كريم؟

 

يصل الهواء محملاً برائحة دخان شيشة التفاح، فيستنشق الهواء البارد المعطر بتلك الرائحة مستمتعاً.. كم يحب هذه الرائحة.. الرائحة فقط، لأنه لا يدخن الشيشة ولا أي نوع آخر من التبغ.. تنطلق ذكرى أخرى في عقله.. منذ يومين حينما ذهب إلى "الكافيتريا" لمقابلة شخص تعرّف إليه من خلال الإنترنت، كان هذا الشخص يتحدث معه كثيراً عبر "الشات"، وكان يُسمعه أحلى كلمات الحب والعشق مثل: "إنني خلقت فقط لأسعدك.. أنا مستحيل أبعد عنك.. أنا اتخلقت علشان أكون جنبك" إلى آخر تلك الكلمات. طلب منه كريم التوقف عن التعبير عن مشاعره تلك حتى يتقابلا في الواقع، لأنه ليس هناك حب قبل اللقاء الواقعي، ولكن الطرف الآخر قال إنه لا يهمه شكله، وكل ما يهمه هو تلك الروح التي عشقها.

 

بعد نهاية اللقاء وعودة كل منهما إلى بيته، ثم لقائهما على "الشات" مرة أخرى، قال هذا الشخص له إنه لن يستطيع أن يحبه لأن كريم ما زال يعشق حبيبه السابق، وإنه هكذا سيظلمه معه. ضحك كريم من هذا الكلام، وتذكر أن هذا الشخص قال له سابقاً إن ذكريات الماضي لا تضايقه لأنها جزء منه.. فهم كريم أن هذا الشخص لم يُعجب بشكله، ولكنه كان في حيرة.. ما الذي يدفع إنساناً أن يقول كلمات حب لا يشعر بها، أو أن يعطي وعوداً لا يكون قادراً على الوفاء بها؟ أليس من الأسهل أن يصمت الإنسان إن لم تكن هناك مشاعر داخله، أو أن يكون صريحاً؟ لا أحد يجبر إنساناً آخر على إطلاق كلمات حب غير نابعة من القلب.. ولكنه تذكر أن هذا الشخص قال له أثناء حوارهما في "الكافيتريا" إنه كان من هواة الجنس الهاتفي.. لهذا لم يستمر كريم كثيراً في حيرته، حيث إن كل تلك الكلمات التي قيلت له هي مجرد كلمات.. شيء عادي يقال في كل مكالمة جنسية يجريها هذا الآخر.. عادي.

 

يدرك كريم جيداً أنه ليس من ذوي الأشكال الفاتنة، ولا يتمتع بالكثير من مظاهر الجمال، ولكنه في النهاية إنسان يستطيع أن يُحِب ويتمنى أن يُحَب، وأن الجمال الخارجي ليس كل شيء ولا يدوم طويلاً. وهو يعرف أنه يتمتع بالقبول لدى الآخرين، ولديه القدرة على جذب حبهم، ويعتقد أنها هبة من الله.. في أوقات كثيرة يكره كريم شكله ويتمنى أن يكون جميلاً مثل فلان أو فلان، ولكن يعود فيقتنع أن كل إنسان يحمل في داخله مواطن جمال تختلف من شخص لآخر.

 

ينتبه كريم وينهض للنزول من العربة حيث محطة وصوله، يغادر العربة متجهاً نحو بيته وهو يشعر بمشاعر لا يعرف هل هي حزن، ألم، يأس، أم كل هذه المشاعر معاً.. يصل كريم إلى الشارع الذي يقع فيه بيته، ومن بعيد يرى طفله الصغير يجري نحوه، حيث كان يجلس على درجات السلم أمام البيت.. حينما رأى كريم نهض مسرعاً باتجاهه، فتلقفه كريم في حضنه وقبّله وسأله:

  • أنت قاعد هنا كده ليه؟

فقال له الطفل فرحاً:

  • كلهم ناموا وأنا قاعد مستنيك.

حضنه كريم مرة ثانية ودخل البيت حاملاً طفله وهو يشعر بالفرح والسعادة التي محت كل الهموم والمشاعر الأخرى التي كانت تملأ داخله منذ قليل.. فما زال هناك من يحبه كما هو.



Popular Posts