25 April 2008

دموع .. فرح


قررتُ الخروج اليوم بسبب إحساسي الشديد بالضيق؛ فمنذ فترة طويلة لم أخرج. أعود كل يوم مرهقاً، فأتناول غدائي وأشعر بالخمول وعدم الرغبة في مغادرة المنزل. وعلى الرغم من ارتفاع درجة الحرارة في اليومين الماضيين، تلك التي تدفع الناس لمغادرة بيوتهم بحثاً عن نسمة هواء لا يجدونها في منازلهم، إلا أن هذا الجو الخانق الحار لم ينجح في إخراجي، بل على العكس؛ كنت أشعر ببرودة في جسدي. جسدي تغطيه قطرات العرق، ولكن تسري فيه تلك البرودة التي اعتادها في كل فترات الحزن والخوف، لا أدري كيف أتخلص من هذا الإحساس!

 

كثيراً ما أقرر الخروج وأتفق مع بعض الأصدقاء، ولكن في اللحظة الأخيرة أتصل بهم معتذراً عن عدم الحضور. ولكني اليوم تغلبت على هذه المشاعر، وخصوصاً بعد مشاهدة الفيلم التسجيلي "الفتنة" الذي أرفقه تامر مع موضوعه الأخير؛ إذ ازداد داخلي الإحساس بالاختناق.

 

اتصلت بصديقي المقرب فوجدته لم يخرج من بيته بعد، فاتجهت مباشرة إلى المقهى الذي أحب المكوث فيه. لم يكن لدي الرغبة في المشي والتجول في شوارع المدينة. كان الجو جميلاً اليوم، لكني كنت أشعر بالبرد.

 

جلست في مكان قريب من الشارع أراقب المارة تارة، وأنظر إلى السماء حالكة السواد الخالية من النجوم تارة أخرى. أحاول ألا أفكر في أي شيء، لكن تامراً وصورته وعلاقتي به تظهر في الأفق. أخرجت الهاتف المحمول من جيبي لأقرأ رسائله لي. ما زلت أقلب في رسائله حتى وجدت رمزاً يشير إلى أن هناك اتصالاً مفتوحاً، وضعت الهاتف فوق أذني وفعلًا وجدت تامراً هناك، فابتسمت للصدفة. اعتذرت له لأنني لم أسمع رنين الهاتف. كانت المكالمة قصيرة جداً وخالية من أي مشاعر. أشعر به حزيناً، وأشعر به بعيداً. حاولت طرد كل تلك الأفكار وأغلقت الهاتف.

 

جاء النادل الذي رحب بي وعبّر عن امتنانه لرؤيتي بعد تلك الفترة من الغياب، شكرته وطلبت منه فنجان قهوة. ومرة أخرى عاد عقلي الذي لا يكف عن التفكير؛ إذ ظهرت شخصيات رواية (نون) التي أقرأها هذه الأيام في مخيلتي. كم أتمنى أن يكون لي مجموعة من الأصدقاء مثل سارة، ودنيا، ونورا، وحسام – أبطال تلك الرواية التي لم أنتهِ منها بعد. أعتقد أن "نونا" أختي وصديقتي العزيزة قريبة الشبه من سارة بطلة الرواية. لكن للأسف، تفصلني عنها مسافات كبيرة جداً، فلا نستطيع أن نصير بمثل هذا القرب الذي بين الأصدقاء في تلك الرواية. انتقل عقلي للتفكير في نونا؛ لا أدري لماذا اختفت فجأة هكذا من حياتي! أعتقد أنها نفذت ما قالته لي سابقاً بأنها سوف تهتم بنفسها لأنها أهملتها كثيراً واهتمت بكل من حولها إلا نفسها، وخصوصاً بعد تلك التجربة العاطفية الفاشلة التي مرت بها. حقاً أفتقدها وأفتقد صوتها الطفولي البريء. كم أحببتها، وكم تمنيت أن أقبلها على خدها عندما كنت ألقاها. كل ما أتمناه الآن أن تكون بخير، فهي تستحق السعادة، صاحبة أطيب قلب عرفته.

 

انتهيت من تناول قهوتي قبل أن يصل صديقي بقليل. غادرنا المقهى سوياً حيث أخبرني أن الكثير من الأصدقاء مجتمعون في قاعة أفراح، حيث يُقام زفاف أحد أقارب صديق لنا. وصلنا إلى قاعة الأفراح ووجدنا الأصدقاء هناك، ولكن لم يكن العروسان قد وصلا بعد. سلمنا على كل الجالسين، وعاتبني الكثير منهم على اختفائي وعدم سؤالي عنهم. لم أشأ الدخول في مناقشات طويلة؛ فكيف لك أن تلوم إنساناً على عدم اهتمامه بك وأنت في الأصل لا تهتم به؟ اخترت مكاناً بعيداً قليلاً، حيث لم أكن أود المشاركة في الحوار الدائر بين الأصدقاء.

 

كانت القاعة مليئة بالناس الذين جاؤوا للاحتفال بالعروسين، والمكان المخصص لجلوسهما – الكوشة – محاط بباقات الزهور وتلك الأنوار الدقيقة مختلفة الألوان. راودني حلم أن يكون هذا الاحتفال لي أنا وتامر. شعرت بالأسى مرة ثانية، وطردت التفكير من عقلي. وصلتني رسالة على الهاتف، إنها من تامر، يخبرني فيها أنه يشعر بالحزن بعد مشاهدة الفيلم الهولندي (الفتنة) وينصحني بمشاهدته وإبعاد طفلي عن الكمبيوتر عند مشاهدته. كتبت له رسالة وأخبرته أني قد شاهدته بالفعل قبل الخروج، وأني أحبه.

 

التفتُّ قليلاً للأصدقاء؛ كانوا يتحدثون ولكن لم أكن أسمع أي شيء مما يقال، فقط وجوه وشفاه تتحرك. ولكن بدأت أنجذب لشيء آخر؛ إنها أغنية (أد الحروف) لأصالة. وجدتني أنفصل عن كل ما يحيط بي، وأفكر: هل مشاعر تامر نحوي غير مستقرة أو متذبذبة؟ أوقاتاً أجده يعشقني لأقصى الحدود، وأوقاتاً أخرى أشعر بأنه بعيد عني، مثل اليوم. أتلمس له الكثير من الأعذار، فمن الطبيعي أن المشاعر الإنسانية غير مستقرة، فالظروف المحيطة بالإنسان تؤثر سلباً وإيجاباً على مشاعره. تامر إنسان رائع، وحقاً هو ما كنت أحلم به، أو كما يقولون في الغرب  "The One" .  تجذبني كلمات الأغنية مرة أخرى:

ليه القمر غالي عليا؟

يمكن عشان في نوره وبُعده فيه حاجة منك

ليه الشتا في قلبي حزين؟

يمكن عشان في برده وقسوته فيه حاجة منك

ليه السحاب بعشق بياضه؟

يمكن عشان زي قلبي في قربي منك

ليه المطر يصعب عليا؟

يمكن عشان زي دمعي في بعدي عنك

 

بعد سماع تلك الكلمات لم أفق إلا على يد صديقي المقرب وهو يربت على يدي قائلاً: "مالك؟"، أجبت مسرعاً: "مفيش". وقفتُ مسرعاً متجهاً بخطوات سريعة إلى الحمام، مدارياً دموعي ووجهي عن الجميع؛ تلك الدموع التي تساقطت رغماً عني. غسلت وجهي بالماء فهدأت قليلاً، وعدت مرة أخرى إلى داخل القاعة حيث الأصدقاء. كان العروسان قد وصلا، وبدأت مظاهر الاحتفال والأغاني الصاخبة. حاولت أن أندمج مع الأصدقاء وأن أبدو فرحاً.


24 April 2008

زئير صامت لأسد عجوز


لا أدري ماذا يحدث لي.. فترة كبيرة مرت حتى الآن وأنا غير قادر على الكتابة.. أصبحت غير قادر على الإمساك بتلك الأفكار التي تراودني بين الحين والآخر؛ تظهر وتداعب عقلي ولكن عقلي يتباطأ عن الإمساك بها -لا أعرف هل يفعل هذا قاصداً أم بدون وعي- فتطير سريعاً وتحلق بعيداً عنه، فتصيبني حالة من الضيق.. أشعر بأن عقلي أصبح مثل الأسد العجوز الذي فقد كل أسنانه.

 

أحاول جاهداً التوصل إلى أسباب تلك الحالة ولكني أجد أسباباً كثيرة، تداخلت وتشابكت كي تحجب عقلي وتبعده بعيداً في تلك الحجرة المظلمة حيث لا يستطيع تمييز أي شيء مما حوله، لا يوجد هناك شيء سوى الإحساس باللزوجة والعفن، لا أستطيع أن أحيا في تلك الحالة من عدم الوضوح.

 

أحاول التوصل لماهية الأسباب فوجدتها تتنوع وتختلف ولكنها في النهاية تتشكل في هيئة قيود وأثقال!

 

تتنوع أشكال تلك القيود ما بين القيود النفسية والاجتماعية والأمنية، اجتمعت كلها في انسجام وتوافق ضد عقلي لتمنعه من اللحاق بأي أفكار كي يقتنصها، اجتمعت كي تجره إلى تلك الحجرة اللزجة التي أكرهها.

 

بدأت تلك الحالة منذ كتابة قصة "صوت عصفور لا يشبههم"، تلك القصة التي عبرت عن مشكلة أحياها في الواقع، واخترت ذلك الشكل غير المباشر كنتيجة لبعض القيود والأثقال التي زادت مع مضي الوقت، من بعدها لم أستطع الكتابة أو التعبير عما يدور بداخلي من أفكار أو هموم أو أي فكرة أخرى.

 

ربما إحساسي بالذنب تجاه من أحب بعدما تعرض لمشكلة ما وحاولت أن أساعده وأدافع عنه، فخرجت محاولاتي في شكل نيران صديقة أصابته هو، فالخوف الذي أصابني والذعر الذي تملك كل ذرة مني خوفاً عليه أفقدني كل قواعد المنطق، فكانت محاولاتي لإنقاذه ذات نتائج عكسية أضرت به وألحقت به الأذى بدلاً من إنقاذه.

 

أعرف أنه سامحني وتفهم موقفي، ولكن هل أنا سامحت نفسي؟

 

أشعر كأنني كالجندي في المعركة الذي أصاب صديقه بطلقة من بندقيته فأصبح غير قادر على إطلاق أي طلقات أخرى حتى في اتجاه العدو، فجلس يشاهد صديقه المجروح غير آبهٍ بما يدور حوله في المعركة.

 

ربما من القيود والأثقال الأخرى هي المشكلات العامة التي يعاني منها المجتمع المصري الآن من فقر وارتفاع في الأسعار وقمع ومهانة وذل، وإحساسي بأنني غير قادر على الخوض في تلك الأمور خوفاً وحرصاً. فالكل يعرف الآن أن الإنترنت والعالم الافتراضي الجميل الذي كنا نحلق فيه بعيداً عن هموم الواقع أصبح غير آمن، بل إن هناك قوى تدعو إلى تقييد هذه المساحة الضيقة من الحرية وفرض الرقابة عليها، حيث لن يصبح هناك مكان أو متنفس نحيا به بعيداً عن واقعنا المرير.

 

لا أعرف كيف أو متى سيتخلص عقلي من تلك القيود والأثقال التي تعوقه عن الكتابة، وأن يخرج من تلك الحجرة المظلمة، ولكني أتمنى أن يكون هذا قريباً.


Popular Posts