تتكون شخصية الإنسان
نتيجة لتداخل عوامل كثيرة، سواء كانت عوامل ذات أهمية أو حتى عوامل ثانوية؛
فالبيئة، والمستوى الاقتصادي والاجتماعي، وشكل الأسرة (سواء كانت كبيرة أو صغيرة)،
وشخصية الوالدين وطريقة تعاملهما مع الطفل، والمدرسة وما بها من معلمين وزملاء،
والجيران، وحتى التلفزيون وما يشاهده الإنسان من برامج ومسلسلات، كل ذلك له تأثير
في تكوين شخصيته، بالإضافة إلى عوامل كثيرة جداً لا يمكن حصرها.. كل تلك العوامل
تساهم وتؤثر بشكل ما في تكوين شخصية الإنسان.
وسواء كانت الشخصية
جيدة أو سيئة، إيجابية أو سلبية، فلن يجتمع الناس على رأي واحد في حكمهم على
شخصيتك أو انطباعهم عنها.. فستجد من يراك جيداً ويحبك، وستجد من يراك سيئاً وينفر
منك.. وتلك طبيعة بشرية لا نقاش فيها، حيث لن يجتمع الناس على وصف واحد أو انطباع
واحد لشخصيتك.
ولكن، هل يدفعك هذا
إلى تغيير شخصيتك، أو التزييف، أو ارتداء أقنعة مختلفة حتى ترضي كل الأذواق؟ نعم،
كثير من الناس يفعلون هذا، ويحدث ذلك بعد دخولهم عالم الكبار أو مرحلة الخبرة.
في الماضي، كنت
حساساً جداً لانطباعات الناس عن شخصيتي، ولو أن شخصاً ما انتقد شيئاً فيّ، أبدأ في
تأنيب نفسي وجلدها لأنها السبب في هذا العيب أو تلك الجزئية التي قد لا يرضاها هذا
الشخص، الذي قد لا يمثل لي أي شيء في حياتي، أو ربما يكون الدافع وراء نقده لي هو
الغيرة أو الكراهية. ولكنني لم أكن أفكر أبداً في شخصية هذا الناقد الذي ربما يكون
ممتلئاً بالعيوب، وأجدني فقط ألوم نفسي على تلك الصفة التي لم تعجب الآخر، ناسياً
أنه ربما تكون هذه الصفة نفسها هي سبب إعجاب أشخاص آخرين بشخصيتي.
وهكذا استمر بي الحال
متخبطاً بين الناس، لا أستطيع إرضاءهم جميعاً. لم يكن الدافع وراء محاولات التغيير
أن أرضي الناس، بل كان الدافع أنني تمنيت أن أكون إنساناً جيداً أمام نفسي وأمام
الآخرين، ولكن هيهات! لم أشعر بسعادة مطلقاُ؛ كان نقد واحد كفيلاً بأن يمحو أي أثر
للسعادة في حياتي، تاركاً حزناً داخلياً ومحاولات يائسة للتغيير، محاولاً القضاء
على هذا العيب، لينتهي بي المطاف بسجن نفسي بعيداً عن الناس، بعيداً عن نقدهم،
وبعيداً عن عيونهم.
بالطبع، تولد داخلي
شعور بكره الذات وعدم الثقة بالنفس، وكان يزداد مع مضي الوقت، إلى أن قرأت عن شاعر
يدعى (وليم بليك)، وهو شاعر إنجليزي كانت له وجهة نظر في الحياة ترى أن الإنسان
يمر بمرحلتين في حياته:
- الأولى: هي مرحلة البراءة (Innocence).
- الثانية: هي مرحلة الخبرة (Experience).
وفسر أن المرحلة
الأولى هي مرحلة الطفولة والنقاء والطهارة، أما المرحلة الثانية فهي مرحلة الكبار
والزيف والمكر وكل ما يطرأ على الإنسان من تغير بعد دخوله عالم الخبرة. ومن أشهر
قصائده: (The
Lamb) و (The
Tyger)، حيث يرمز لمرحلة البراءة
بالحمل، ويرمز لمرحلة الخبرة بالنمر.
بعد قراءتي لهذا
الشاعر فهمت ما أعاني منه؛ إنني ما زلت أعيش في المرحلة الأولى ولم أصل للمرحلة
الثانية، وكانت معظم الانتقادات الموجهة لي هي أنني أتعامل مع الآخرين ببراءة
وعفوية، وأنني أقرب للأطفال في طريقة تعاملي مع الناس. وكنت أكره هذا وأتمنى
وأحاول أن أصير مثل باقي الناس وأدخل عالم الكبار (عالم الخبرة)، ولكني فشلت.
بعد ذلك، بدأت أفكر:
كيف لي أن أسمح للآخرين بأن يلومونني على أنني لم أكبر ولم أصر مثلهم؟ أليس ما
يعيشونه من زيف وقسوة ومكر وخديعة يعتبر أبشع العيوب؟ كيف لي أن ألوم نفسي لأنني
ما زلت أحافظ على براءتي وطفولتي داخلي؟
بعدها بدأت أحب نفسي
وأتقبلها، ولم تعد وجهة نظر الناس في شخصيتي تهمني، ولم أعد أنزعج من النقد؛ لأني
أعلم أن هناك من يحبني كما أنا، بدون أي تغيير أو تعديل في شخصيتي. بدأت أرضى
بحياتي في المرحلة الأولى ولا أتمنى أن أتغير لأدخل عالم الخبرة.. وأتمنى للجميع
أن يتخلصوا مما يعانون منه، وأن يعودوا إلى المرحلة الأولى حيث البراءة في
التعامل، وحيث لا أقنعة، ولا خداع، ولا مكر.. فقط الحب والسلام.

