صحيحٌ أنه ليس ابني
الذي أنجبته، ولكن منذ خمس سنوات عندما وُلد، كنتُ أنا أول شخصٍ حمله بعد ولادته.
كبّرتُ وأذّنتُ في أذنه وقرأتُ بعض آيات القرآن. كنتُ سعيدًا جدًا بقدومه، وأحسستُ
أنه ابني الذي لن أنجبه.
كنتُ دائمًا أحمله
على الرغم من أني كنتُ أخشى الأطفال الصغار، كنتُ مسؤولًا عن طعامه وشرابه، وكنتُ
أغني له حتى ينام، ولم يكن ينام إلا على صدري. بيني وبين نفسي اعتبرتُه ابني؛
لأنني ليس عندي أملٌ في الزواج.
ومع مرور الوقت، أصبح
جزءًا من حياتي، وأهم شخصٍ لي في هذا العالم، وشاركني كل شيءٍ حتى غرفتي. أنا
سابقًا لم أكن أسمح لأي شخصٍ باستخدام أي شيءٍ خاصٍ بي، حتى إنه أصبح يعرف أماكن
أشياء في غرفتي أنا لا أعلمها، وحين لا أجد شيئًا أريده كنتُ أسأله هو، فأجد عنده
إجابة كل شيء. لقد ملأ حياتي وأحسستُ أن الله بعثه لي.
أوقاتًا كنتُ أتحدث
معه في بعض همومي، كنتُ أعرف أنه لا يفهم شيئًا أو لن يفيدني بشيء، إلا أنه إحساسٌ
بأن هناك مَن يشاركك مشاكلك.
ولكن طبعًا مع الوقت
وحاجته للعب، وأيضًا سيطرة أمه، جعلته يخرج من دائرتي قليلًا، وبدأت أوقاتي معه
تقل؛ بسبب عملي وحضانته ولعبه مع أولاد الجيران الأكبر منه. كنتُ دائمًا أحذرهم
وأقول لهم: "لا تجعلوه يلعب مع أولادٍ أكبر منه في السن"، ربما خشيةً
مني عليه، وخصوصًا ولد كنتُ أعرف أنه سيء؛ لأن تربيته سيئة نتيجةً لأبيه وأمه
السيئين، ولكن أم هذا الولد كانت صديقة أم ابني، وبذلك لن ترضى بمنع ابنها عن
اللعب مع ابن صديقتها.
ولكن كانت هناك
أوقاتٌ تجمعني مع ابني، وخصوصًا أوقات ما قبل النوم وأوقات تناول الغداء، فقد كان
ينام معي، فكما قلتُ كان يشاركني غرفتي.
منذ شهرين وعند عودتي
من العمل، ومثل كل يوم سألتُ عنه، وعلمتُ أن أمه قد سخّنت ملعقةً ووضعتها على رجله
وكوته بها؛ لأنهم اليوم وجدوه مع بنت الجيران وكان يحضنها ويفعل فعلةً غير لائقة،
كما قال: "مثل بابا وماما".
وطبعًا كل الناس هنا
عاقبوه سواء بالضرب أو الكلام، إلا أنا أخذتُ الموضوع عاديًا، ولم أبدِ أي تعليق،
وتناولنا الغداء سويا ومكث معي باقي اليوم، ولكن كانت هناك بسمةٌ داخلي؛ فقد نجح
فيما فشلتُ أنا فيه! وبعد ذلك، هذا لعب أطفال، أي أن الموضوع لا يستحق أن يُكوى
بالنار، وأيضًا أنَّبتُهم على عقابه بهذا الشكل العنيف.
أما اليوم، عدتُ من
العمل وسألتُ عليه، قالت أمه إنه نائمٌ بعدما ضُرب ضربًا مبرحًا. دخلتُ أوقظه وإذا
به ينظر لي نظرةً لم أفهمها، اعتقدتُ أنه خائفٌ وأنه اعتقد أن أمه ستضربه مرة
ثانية، فأنا لم أضربه أبدًا قبل هذا.
ولكني طمأنته وحملته
بين ذراعيّ، وذهبتُ أُعدّ الغداء، وسألته: "لماذا ضربتك أمك اليوم؟" قال
إنه لن يخبرني، وبعد إلحاحٍ مني قال لي إنها ضربته لأنه خرج إلى الشارع مرتديًا
الجوارب، وتعجبتُ: أهذا سببٌ يستحق الضرب عليه؟!
ووضعتُ الطعام على
النار وذهبتُ لمعاتبة أمه، ووجدتها تقول لي إن ما قاله خطأ، وأن ما حدث أنه كان
يفعل فعلةً غير لائقة مع ابن الجيران، وقد ضُرب ضربًا مبرحًا وثارت أم الولد
الثاني، وعندما سألوه: "مَن قال لك أن تفعل ذلك؟" قال: "كريم".
نزلت الكلمة فوقي
كالصاعقة، لم أستطع أن أنطق، وانصرفتُ من أمام أمه ورجعتُ إليه مرة أخرى. كان يسمع
حواري مع أمه، وعندما عدتُ إليه وجدته مختبئًا خلف الأريكة.
دخلتُ إلى المطبخ ولم
أكلمه، جهّزتُ الغداء ووضعته على المائدة، وطلبتُ منه الجلوس لتناول الطعام،
وسألته: "أقلتُ لك أن تلعب هكذا وتفعل هذه الأشياء؟ أو هل لعبتُ معك
هكذا؟" لم يجب ونظر إلى الأرض، قلتُ له: "تناول غداءك، ولا تأتِ إلى هنا
مرة ثانية، ولن تنام معي بعد الآن".
وفعل ما قلته له دون
كلام؛ تناول الغداء وانصرف، وجلستُ أنا أفكر لماذا قال ذلك؟
ربما لأنه متأكدٌ
أنني لن أعاقبه مثل الآخرين، ربما قال ذلك لأني دائمًا أدافع عنه، واعتقد أنه
عندما يقول "كريم" فإن هذا سيحميه من العقاب؛ لأني حقًا لم أعاقبه
سابقًا أبدًا، حتى وإن أخطأ وسبّني كنتُ أمزح معه فقط وأعلمه أن هذا خطأ، وأني
سأخاصمه أو أغضب منه، ويعتذر وينتهي الموضوع دون عقابٍ بدني كما تفعل أمه أو
الآخرون.
لا أدري.. كل ما
شعرتُ به هو مرارةٌ في حلقي، وإحساسٌ بأني متهمٌ اليوم.
لن اسمح له بالمجيء
إلى هنا مرة أخرى، لن أحضنه أو أقبّله بعد الآن، لن يبقى جزءًا من حياتي، لن يكون
ابني كما تخيلت.. فهو ليس ابني.
لا أعلم.. كل ما أشعر
به أنه لم يعد ابني بعد الآن، وأن ابني مات اليوم، أما هذا الطفل فهو مجرد صورةٍ
منه.
والآن دموعي تتساقط،
ولكني لا أدري؛ أهي دموعٌ لفقدانه؟ أم هي دموع تلك التهمة التي ألصقها بي مَن كان
ابني، ربما هربًا من عقابه؟
لا أدري ماذا أفعل!

