https://www.google.com/contributor/welcome/?utm_source=publisher&utm_medium=banner&utm_campaign=pub-1092433220212569

17 March 2009

لن يعود .. قصة قصيرة


يحاول الإتصال للمرة الألف بصديقه تامر .. الغير متاح حالياً .. لم تعد فيروز تشدوا بأغنيتها ( حبيتك تنسيت النوم ) لتعلن عن اتصاله به حيث كانت تلك هي النغمة التي خصصها تامر له .. اربعة ايام من القلق المتواصل .. يشعر كريم طوال هذه الأيام بالعجز التام .. غير قادر على فعل أي شىء او معرفة أي اخبار عن تامر .. غير قادر على انجاز أي من مهامه الوظيفية المكلف بها .. يجلس بمكتبه عقله مشغول و القلق يعتصر قلبه .. يفتح الرسائل القصيرة على موبيله و يقرأ أخر رسالة وصلته منذ أربعة أيام منه .. يقرأها للمرة المائة محاولاً تلمس أو فهم ما بين السطور :

( ماما عرفت كل شىء و البيت مقلوب )

علامات استفهام كثيرة تحوم حول هذه الجملة : ما هذا الذي عرفته بالتحديد ؟ و كيف عرفته ؟ و متي ؟ و ما دليلها ؟ و ما رد فعلها ؟ ..... إلخ . لا يستطيع كريم الوصول لأي من الاجابات التي قد توضح له الموقف أو المشكلة التي يقع تامر بها و تمنعه من الإتصال به.

بعد محاولات مضنية , استطاع الوصول لمجموعة من الأرقام عن طريق البحث في دليل الهاتف الإلكتروني عن طريق الاسم .. من المفترض ان يكون من بينها رقم تليفون منزل تامر .. لكنه متردد في الاتصال .. كيف سيتكلم و من سيجيب عليه .. و ما هو الوقت المناسب للإتصال .. كان الخوف يملأه و لكن لابد من الاطمئنان على تامر .. ربما يكون قريب من الهاتف فيجيب هو عليه .

لذلك قرر أن يتصل به اليوم في فترة الظهيرة .. من المحتمل ان يكون باقي أفراد الأسرة بالخارج في العمل أو الدراسة .. انتظر كريم حتى ذهب زميله الذي يعمل معه في نفس المكتب لتصوير مجموعة من الأوراق في الحجرة المجاورة .. حيث اصبح وحده بالمكتب .. اخرج الورقة التي دون بها مجموعة الأرقام و قام بالاتصال بالرقم صاحب الاحتمال الأكبر .. دقات قلبه أعلى من رنين الهاتف .. حتى أجابه صوت نسائي قائلاً :

- ألو
- السلام عليم .. ممكن أكلم تامر ؟
- انت مين ؟
- زميله في الجامعة
- اسمك ايه ؟
- اسمي عمر
- انت في سنة كام ؟
- في سنة رابعة
- أية اسماء المواد اللي انت بتدرسها السنة دي ؟
- هو فيه أيه حضرتك ؟ أيه لزمة الأسئلة دي كلها ؟
- انت عاوز ايه ؟ ( بصوت عالي يكاد يكون صراخ )
- تامر موبيله مقفول من كام يوم .. فكنت قلقان عليه و كنت عاوز اطمن عليه
- تطمن عليه بصفتك ايه ؟
لا يعرف كريم بما يجيب و لكنه يكمل متوتراً : ممكن اعرف مين حضرتك ؟
تجيب هي منفعلة حيث زادت حدة نبرات صوتها : و انت مالك .. انت عاوز أيه؟
- حضرتك بتسألي أسئلة غريبة و كأني بتصل علشان اعاكس .. انا كل اللي عاوزه اني اكلم تامر و اعتقد ان دي مفهاش حاجة.

كل هذا الحوار و نبضات قلب كريم في ازدياد .. حتى انه لم يعد يعرف ان كان يتنفس أم لا و تابع الحوار معها حيث قالت :

- أنا أخته .. ممكن أعرف أنت عاوزه ليه ؟
- عاوز أطمن عليه
- تتطمن عليه ليه .. أنت مين ؟
- قلت لحضرتك اني زميله
- لا انت مش زميله
- أوكي يا ستي .. مش مهم أنا مين و مش عاوز أكلمه .. المهم هو كويس و لا لاء ؟
- و انت مالك ؟ بتسأل عليه ليه ( بصوت صارخ )
- خلاص يا ستي متشكر جدا ليكي .. سلام عليكم

كاد كريم يغلق الموبيل و لكنها اكملت كلامها بصوت مرتفع قائلة :
- منكوا لله .. منكوا لله
- خلاص يا ستي انا مش عاوز اكلمه
- ما هو انت مش هتقدر تكلمه تاني علشان خلاص
- خلاص ايه ؟ هو فيه أيه ؟
- انت بتقول انك زميله مش كده ؟
- ايوة

بدأ صوتها يميل إلى البكاء قائلة :

- و انت يا زميله متعرفش انه مات و اندفن امبارح ؟

نزلت الكلمات على كريم ألجمت لسانه .. لم تعد الكلمات قادرة على الخروج من فمه .. سبقتها الدموع التي انهمرت من عينيه و صراخها يزداد حدة قائلة : منكوا لله .. انتوا اللي قتلتوه .. منكوا لله

أغلق كريم الموبيل و انهار باكياً .

****

انفتح باب المكتب .. كريم مازال يبكي .. يدخل هشام – زميله فى العمل - يجري تجاه كريم بعدما شاهده منهاراً يبكي .. على الرغم من محاولات كريم في اخفاء دموعه و لكنه لم ينجح في ذلك :

- مالك يا كريم .. فيه أيه ؟

لم يستطع كريم أن يجيب .. ما زال غير قادر على الكلام .. اخذه هشام في صدره ليهدء من روعه و بدأ يربت على ظهر كريم الذي ازداد في البكاء لكنه لم يستطيع أن يبوح بشىء مما حدث له .. حاول التماسك و مسح دموعه بيديه و انصرف ذاهباً للحمام ليغسل وجهه .. و عندما عاد .. قال لهشام أن أحد أقاربه قد توفي و أنه لابد أن ينصرف الآن لانه لن يستطيع أن يكمل عمله و هو في تلك الحالة لهذا استأذن للإنصراف و طلب أجازة لمدة يومين .. و مضى سريعاً ليهرب من أسئلة الزملاء و رغبتهم في معرفة سبب هذا الانهيار الذي أصابه .

***

فتح باب الشقة و اتجه مباشرة إلى حجرته .. متجاهلاً سؤال أمه عن اعداد الغداء .. لم يريدها ان ترى عيناه الباكية .. ليس قادراً على مواجهة أى أسئلة الآن .. رمي جسده فوق السرير محاولاً ترتيب افكاره و استرجاع الحوار الذي دار بينه و بين الصوت النسائي .. هل حقاً هي صادقة ؟ لا أعتقد انها قادرة على تمثيل كل هذا الدور من صراخ و بكاء .. و لكنه كيف مات ؟ هل انتحر ؟ هل قتلوه ؟ يريد كريم ان يتأكد من هذا الخبر .. قرر الاتصال مرة أخرى :

- سلام عليكم .. ممكن أكلم تامر ؟
- ( صوت نسائي بلهجة عنيفة ) مش قلتلك انه مات .. مات
- أرجوكي .. بلاش تقولي كده .. ازاي تقولي على أخوكي كده ؟
- ( بصوت حاد اقرب للصراخ ) علشان هو مات فعلاً
- طيب مات ازاي ؟
- و انت مالك ؟
- يبقى مش مات
- خبطته عربية و مات
- ازاي خبطته عربية و هو مش بيخرج من البيت
- انت مين ؟ و عاوز ايه ؟ انت تعرف كريم ؟

صمت كريم مندهشاً و لكنه أجاب قائلاً :

- ايوة أعرفه .. أنا كريم
- طيب قولي كان فيه أيه بينك و بين تامر .. أرجوك قولي كل حاجة .. أنا أمه مش أخته .. عاوزه أعرف كل حاجة أرجوك
يبكي كريم قائلاً : طيب قوليلي هو مات ازاي ؟
- أبوه قتله .. أبوه قتله لما عرف اللي بينكوا

لم يستطيع الرد عليها للمرة الثانية .. حاول ان يعلن سخطه عليها و عليهم لكن صوته ينحشر من البكاء .. فأغلق الهاتف و رماه فوق سريره .. اخد يسير كالمجنون في حجرته .. غير قادر على كبت دموعه .. يكتم صوت صرخة داخله خوفاً من أن تسمعه أمه و الجيران .. مرت لحظات على هذا الحال ثم مسح وجهه و خرج إلى الحمام .. فتح الدش ووقف تحت المياة الباردة علها تهدىء النار التي بداخله .. يقف هناك طويلاً ربما متمنياً ان يتوقف الزمن لكنه يخرج .. يجفف جسده و يرتدى ملابسه و يخرج من البيت متجهاً لمدينة الزقازيق تلك المدينة التي يعيش بها تامر و التي تبعد عن مدينته حوالي الساعتين .. كانت الساعة قد قاربت السادسة مساءاً .. لم يستطيع أن يصبر للغد ليسافر نهاراً .

***

في العربة المتجهه نحو مدينة الزقازيق .. جلس بجوار الشباك ناظراً للخارج محاولاً اخفاء عيناه الدامعتين عن باقي الركاب .. و مرت الساعتين كأنهم عامين و مرت خلالهم كل ذكرياته مع تامر .. كل شىء منذ اللقاء الأول و حتى اللقاء الأخير .. و حينما يتذكر خبر موت تامر تنهمر دموعه .. حتى وصلت العربة لنهاية الطريق و نزل منها .. وقف مكانه حائراً لا يعرف إلى أين سيتجه و لا يعرف أين هو الآن .

وقف برهة من الوقت يحاول أن يستجمع كل المعلومات و تفاصيل الأماكن و الشوارع و المعالم التي مر بها في تلك المدينة التي زارها مرة واحدة فقط مع تامر .. تلك الزيارة التي أراد تامر ان يعرض له فيها اين يعيش و اين يمشي و كل الأماكن التي يحبها .. كانت زيارة واحدة .. حتى انه لم يكن يعطي كامل انتباه لمعالم المدينة التي يزورها للمرة الأولى في حياته بقدر ما كان ينظر دائماً لتامر ذلك الشخص الذي عشقه و أحبه أكثر من نفسه .

أخذ يمشي و يمشي محاولاً الوصول إلي أي مكان يتذكره ليبدأ منه رحلة البحث و التأكد .. ظل يمشي حتى وصل إلي كبري أو ممشي صغير يقع فوق أحد القنوات أو فروع نهر النيل .. تلك النهر الذي يقسم المدينة لنصفين .. لا يعرف هو أسماء الأماكن و لكنه تذكر انه قد مشي فوق هذا المكان مع تامر .. بدأ الأمل يدب في قلبه .. عبر فوق هذا الممشى الصغير إلى الناحية الأخري من المدينة وجد نفسه أمام الشارع الذي تقع به عيادة والد تامر .. نعم انه الشارع الذي به عيادة والد تامر .. ها هي اللافته تحمل اسم والده .. خفق قلب كريم .. صعد يجري على السلالم للدور الثالث حيث العيادة .. كاد ينكفء على وجهه عدة مرات أثناء صعوده جارياً .. وجد العيادة مفتوحة و بها بعض المرضى .. فرح كريم فرحاً شديداً .. لو كان تامر قد مات أو قتل فلن يستطيع والده فتح العيادة .. لم يدخل كريم العيادة و لكنه أخذ رقم هاتف العيادة المكتوب على اللافته و نزل كريم على السلم فرحاً .

بعد معرفة مكان العيادة تذكر كريم الطريق لبيت تامر لأنه لم يكن يفصل بينهما سوى شارعين .. أخذ يسرع و يسرع حتى وصل للبيت .. وقف أمام البيت ينظر لأعلى حيث يعيش تامربالدور الرابع مع أهله .. يرى نور حجرة تامر مضاء .. فقد اخبره تامر أن تلك الحجرة المطلة على الشارع هي حجرته .. أراد أن يصرخ منادياً بأعلى صوته .. أراد لو أنه يمتلك قدرات خارقة مثل سوبرمان او سبيدرمان ليطير لأعلى ليصل لحجرته ليطمئن عليه و يراه .. يدخل العمارة و يصعد السلم - لم يكن هناك مصعد في هذا المبنى - حتى وصل للشقة التي بها يعيش تامر .. نبضات قلبه كانت تعلو و تعلو كلما اقترب .. وقف كريم أمام باب الشقة قليلاً لا يعرف ماذا يفعل بعد ذلك .

***

وقف كريم هناك لحظات أمام الباب لا يعرف ماذا يفعل .. تمنى لو كان لديه الشجاعة على انتحال أي شخصية و لو حتى جامع القمامة ليدق الباب ربما استطاع أن يراه و لكنه لم يستطع فعل شىء .. نزل إلي الشارع مرة أخري يشعر بالحزن و الضعف .. ينظر مرة أخري لأعلى .. ما زالت عيناه معلقتان على شباك حجرته .. اخرج الهاتف اتصل بهاتف عيادة والد تامر .. جاءه صوت رجولي قائلاً : ألو
- السلام عليكم .. لو سمحت ممكن أكلم دكتور سعيد ؟
- دكتور سعيد لسه موصلش .. أي خدمة ؟
- أيوة حضرتك .. كنت عاوز اتاكد من خبر وفاة حد قريب الدكتور .. الكلام ده صحيح ؟
- حالة وفاة ؟ حد من البلد ؟
- تقريباً
- معنديش فكرة والله
- طيب أوكي متشكر أنا هتصل بيه على البيت.

أغلق كريم الموبيل .. ها هو الآن يتأكد أن تامر ما زال هناك .. ينبض بالحياة .. صحيح أنه لم يراه و لم يعرف عنه شيء .. هل يعذب ام محبوس هناك في حجرته .. المهم انه ما زال هناك على قيد الحياة .. اراد ان يصرخ بأعلى صوته اسفل نافذته و يقول له أنه يعشقه .. و لكنه مشى .. يكفيه ما حدث له اليوم .. يدهشه أداء تلك السيدة التي أدت الدور ببراعة و اتقان .. صراخ و صوات و بكاء .. استطاعت ان تخدعه .. تذكر أنه لم يتناول أي شيء طوال هذا اليوم .. اشترى بعض العصائر و الحلوى كي يتناولهم في طريقه نحو موقف العربات العائدة لمدينته .

***

في عربة العودة .. نام كريم .. لم يشعر إلا بالرجل الجالس بجواره يوقظه ليعلمه بالوصول .. بعدما عاد للبيت .. اتصل بصديقته المقربة له .. حكى لها كل ما حدث له في هذا اليوم العصيب الذي لم يعيش مثله في حياته و يتمنى ألا يعيش مثله مرة ثانية .. انصتت له حتى انتهى من قص تفاصيل هذا اليوم ثم قالت له :

- عاوز نصيحتي يا كريم ؟
- أكيد طبعاً
- بلاش تستنزف مشاعرك .. أهله عمرهم ما هيأذوه .. مهما حصل مش هيأذوه .. و من الأفضل إنك تبعد .. لأن علاقتكوا كده انتهت.

صمت كريم و لم يجيب و لكن قلبه امتلأ حزناً و أكملت هي قائلة :

- حتى لو بعدين أهله سابوه و قدر يخرج و يكلمك و قدرت تقابله .. عمر ما مشاعره ليك هتكون زي الأول .. سألها كريم حزيناً : ليه ؟

- انت متعرفش لما يرجع و يخرج من الأزمة دي هيكون لسه بيحبك و لا لاء .. كمان هيفضل فاكر انك سبب من أسباب المشكلة اللي هو فيها دلوقتي .. و مش بعيد يحملك الذنب كله .. و هتفضل علاقته بيك مرتبطه بالألم اللي اتعرضله دلوقتي .. فبلاش تستنزف مشاعرك.

بعد إنتهاء المكالمة ظل كريم حزيناً .. بفكر في كلام صديقته التي عهدها دائماً بصواب الرأى و حكمتها و رأيتها الصحيحة للأمور .. هل حقاً ستكون هذه هي النهاية .. و انه لن يعود إليه مرة أخرى حتى لو انتهت الأزمة .. هذا ما ستكشفه الأيام.